:التجديد الأخير 22:04 GMT - 2008/12/01


حال الطقس في 101 مدينة







جولة إياد علاوي العربية: الخلفيات, النتائج, التوقعات

صالح بشير      الحياة     2004/08/1

اعتبر إياد علاوي, في تصريحات له أخيرة, بأن حكومته شرعية وفق مقاييس المنطقة أو أعرافها السارية. والرجل في ذلك محق, أو أن الصواب لا يجانب زعمه ذاك تماماً ولا يجافيه بإطلاق. إذ تتماثل حكومته الموقتة أو الانتقالية مع سلطات الجوار, أو سوادها الأغلب والأعظم, في ملمح أساسي وفارق: في أنها, كهذه الأخيرة, سلطة أمر واقع, شرعيتها موعودة لا ناجزة, مُرتجاة لا معطاة, لا تستوي وراءها, قاعدة تستند إليها, بل تسعى في طلبها, أفقاً لا يُدرك, لا يني يتأجل فيُبقي الوعد وعدا.

يصح ذلك بشكل خاص على الأنظمة الإيديولوجية, تلك التي لوحت في يوم من الأيام بـ"ثورة" ما, اغتصبت السلطة انقلاباً, مطعوناً في أصله ومنبته, فعوّضت عن ذلك, واهمةً في الغالب, على ما دلت مجريات الأمور لاحقاً, بالوعد بـ"الوحدة والحرية والاشتراكية", وفق هذا الترتيب أو وفق ترتيب سواه. قد يكون ذلك ديدن الأنظمة من ذلك القبيل, على اختلاف الحقب والأصقاع, لكن التعميم ذاك لا يلغي أن ما كان من خصوصية لمثل تلك الأنظمة, قد يكون من عناصر "أصالتنا" العتيدة. فإذا كانت النازية قد وعدت الألمان بـ"رايخ الألف عام", أي بما يشبه السيادة على الأبد (وذلك عين الاستحالة والتعذر), فإنها أقلت عثرتهم من هزيمتهم في الحرب الكونية الأولى, وإن جاءتهم بهزيمة أشنع في ما بعد. وإذا كانت الشيوعية قد وعدت الروس بفردوس الإشتراكية على الأرض, فلم يتحقق وعدها ذاك إلا على هيئة وعيدٍ أو قصاص قاسٍ, فإنها كانت أنهت طغيان القياصرة وأدخلت البلاد, عنوة وبأبهظ ثمن, في الحداثة. وحده الاستبداد العربي يقفز, في الغالب الأعم, رأساً ومباشرة, إلى الوعود دون تجشم عناء الإنجاز التاريخي. وحتى تلك الأنظمة التي استندت, لحظة التأسيس, إلى شرعية لا غبار عليها, لأن رجالها خاضوا معارك التحرر ضد الاستعمار ونالوا الاستقلال, سرعان ما بددت شرعيتها تلك واستنفدتها, أدركها التقادم أو أتى عليها تعاقب الأجيال. إذ لأمر ما, يتوجب سبره في يوم من الأيام, يبدو أن ذلك الضرب من الشرعية لا يُورّث في بلداننا. الجمهورية الفرنسية لا تزال حتى اليوم, وبعد انقضاء أكثر من قرنين, تستحضر الثورة الفرنسية, تعيشها قيما وحقلا رمزيا, في حين أن المرء لا يتبين إلا بمشقة أواصر النظام الجزائري, على سبيل المثال, في طوره الراهن, بحرب تحرير كانت الأهم في التاريخ الحديث للمنطقة.

الأنظمة العربية, أو غالبيتها, تستمد شرعيتها من إنجازات موعودة, في كنف الغيب. وعودها لا تتحقق لكن سلطتها تبقى, تعيش ليومها لا تشخص نحو أفق غير البقاء ذاك. وبهذا المعنى, وفي هذا الجانب على الأقل, تكون حكومة إياد علاوي من طينة تلك الأنظمة ومن نسيجها, "شرعية وفق مقاييس المنطقة", كما قال رئيسها. فهي أيضا سلطة أمر واقع وظرف قاهر, ناجمين عن احتلال العراق وما يلابسه من انخرام أمني ومن مخاطر تفكك أهلي, لها في ذلك من الأعذار ما يماثل أعذار سواها ولا يقل عنها, من قبيل ضرورة التصدي لـ"الكيان الصهيوني", ذريعة لحالة استثنائية, أو لحالة طوارئ مستديمتين. وهي أيضا تلوّح بوعد, هو المتمثل في ترميم الكيان العراقي, واستعادة تماسكه, مع توخي سبيل "الشراكة" مع الأميركان من أجل بلوغ ذلك الهدف, وذلك لعمري اجتهاد, إن لم يكن أقل حكمة من سواه, إلا أنه ليس أكثر خطلا بالضرورة. ثم أن الجميع على وعي بميزان القوة, في قرارة النفس وإن أوحى اللسان بغير ذلك أحيانا, والكل ينشد الخلاص, أي البقاء, على طريقته, من حلفاء واشنطن التقليديين... حتى العقيد الليبي معمر القذافي.

والسمة تلك, مشفوعة بإشراف الأمم المتحدة على استيلاد الحكومة العراقية الحالية, مع أن الإشراف ذاك أسبغ قانونية ولم يُسبغ شرعية (ولكن من يعبأ بمثل هذه "التفاصيل" النافلة), جعلت من علاوي مقبولا بين أترابه. بطبيعة الحال, لا أحد يلام على تعامله مع الوضع العراقي كما هو قائم, لا كما قد تُصوره أضغاث الأحلام, خصوصاً أن "المقاومة" العراقية, كما تبدت حتى الآن في تجلياتها العنيفة, سواء تمثلت في جماعة أبي مصعب الزرقاوي أو سواها, لا تطمئن ولا تقوّي للمعترضين موقعا أو حجة. كما أن التخوف من الانعكاسات المحتملة, على صعيد المنطقة, من استمرار بلاد الرافدين في اضطرابها الراهن, قد غلب على الرغبة في الشماتة بالأميركان في ورطتهم العراقية, وهي من قبيل أمني بحت حتى الآن. كما دفع ذاك التخوف إلى التعاطي مع سلطة مسؤولة, مهما كانت محدوديتها, سلطة ومسؤولية, ومهما كانت المآخذ على صعيد تمتعها بـ"السيادة" من عدمه, على سبيل المفاضلة بين ذلك والفوضى العارمة.

لكن علاوي يطمئن من جانب آخر أيضا, كونه يمثل انتقال الولايات المتحدة من مقاربة إلى أخرى بشأن التغييرات التي ترتئيها واشنطن للمنطقة: من تلك "الثورية" التي كان يدعو إليها "المحافظون الجدد", وجسدها أناس من نوعية أحمد الجلبي, إلى تلك التي تتوخاها وزارة خارجية الولايات المتحدة ووكالة استخباراتها المركزية, وتتجلى في حكومة إياد علاوي. الأولى تأخذ بتغيير يستهدف أنظمة المنطقة, يسعى إلى دمقرطة "الشرق الأوسط الكبير" من خلال زعزعتها وإنهائها, والثانية تسعى, على ما يبدو, إلى إحلال التغيير بواسطة الأنظمة أو من خلالها وبالتعاون معها.

هذه المقاربة الأخيرة تبدو أكثر واقعية, بصرف النظر عن كل تقييم من طبيعة أخلاقية أو مبدئية, قياسا إلى تلك الأولى الساعية إلى الجمع بين مهمتين لا تجتمعان تزامناً: شن حرب دائمة على الإرهاب, وزعزعة السلطات المحلية التي يمكنها أن تكون الأكفأ في الإضطلاع بتلك المهمة, على ما دلت التجربة في أكثر من بلد عربي, وإن تفاوتت نجاحا أو إخفاقاً. المقاربة الثانية, تلك التي تمثلها حكومة علاوي توحي بتحبيذ الفصل بين محاربة الإرهاب وبين إحلال الديموقراطية (على ذلك النحو الذي يدعيه المحافظون الجدد), مع تسبيق الأولى على الثانية.

بعض القبول العربي الذي حظيت به حكومة علاوي, كما تبدى خلال جولة رئيسها العربية الأخيرة, قد يكون هذا العامل أساسيا وحاسما فيه. إذ ما لا شك فيه أن السلطة العربية لا ترى غضاضة في "إصلاح" تتولاه هي, تتحكم في إيقاعه ووتائره, وتتقي مخاطره فلا يودي بها. فهي, ككل سلطة غير ديموقراطية, حتى لا نقول استبدادية, سلطة محضة. وهي لذلك براغماتية إلى أقصى الحدود, تحركها غريزة البقاء حصرا, ولا تحتكم إلى شيء غير ذلك, فلا رأيا عاما يحاسبها, ولا انتخابات حرة تحوّل المحاسبة إلى إجراء فصل أو صرف من الخدمة.

هل تقايض السلطة العربية "الإصلاح" أو "إصلاحا ما" بالبقاء؟.. نراهن أن نعم, ولنا في سلوك النومنكلاتورا الشيوعية في الإتحاد السوفياتي السابق وسائر الشرق الأوروبي, وهي النموذج الكلاسيكي للاستبداد, سابقة وعبرة: ألم تقدم تلك النومنكلاتورا على إنزال "الموت الرحيم" بأنظمتها, كي تتمكن هي من البقاء؟





  إتصل بنا  |  عن الموقع   أعلى الصفحة 

مجموعة الاتصالات الاعلامية  © 2007 Media Communications Group