جولة أياد علاوي (سامي شورش)
سامي شورش الحياة 2004/08/1
يعتقد القسم الأكبر من العراقيين ان الموقف العربي (السلبي) ازاء التعاون مع العراق والمشاركة الفعلية في إعادة بنائه على مختلف الصعد, السياسية والاقتصادية والثقافية, يلحق اضراراً كبيرة بواقع بلادهم ووضعها الراهن
ومستقبلها. بل ان أوساطاً ثقافية, تحت وطأة تأثرها بالشأن الداخلي العراقي وتجنب بعض العرب بناء علاقات طبيعيـة مع بلدهم ومواصلتهم لسياسة التخويف مما يجري في العراق, أخذت تسرّع من خطوات ابتعاد العراقيين عن العرب.
والأرجح أن رئيس الوزراء العراقي الموقت الدكتور اياد علاوي حمل معه الى القادة العرب تصورات من هذا القبيل حينما التقاهم في جولته العربية الأولى. لكن الإشارات المتوافرة عن نتائج الجولة لا توحي بنجاحه في نقل الموقف العربي من حالة الخوف والتخويف إلى حالة الاطمئنان والثقة بالعراق الجديد.
وخوف الدول والأنظمة العربية لا يتركز, في اطار الموضوع العراقي, على تفاقم المشكلات والاضطرابات الأمنية وإمكان اتساع نطاقها وخروجها عن السيطرة, ما يمكن ان يفضي, في رأي تلك الدول والانظمة, إلى تفكك وحدة الدولة العراقية وانتقال آثار موجة الانفلات الأمني ونيران الاضطرابات الى دول الجوار العراقي. إنما الخوف, كل الخوف, من احتمال استقرار الحالة العراقية والقضاء على بؤر التوتر والفلتان الأمني, ما يشكل المقدمة الأساسية للشروع في نقل العراق على قاطرة اميركية الى مرحلة البناء الديموقراطي.
وقد تبدّت هذه الحقيقة بشكل واضح وكامل في الجولة العربية التي قام بها رئيس الوزراء العراقي الموقت في الأسبوع الماضي وقادته الى عواصم عدد من الدول العربية.
فبعض الساسة العرب يعتقد أن استقرار الحالة العراقية في ظل الرعاية الاميركية يصب في المحصلة النهائية في مصالح اسرائيل. ويضيف هؤلاء ان استعادة العراق عافيته ستهيء للاسرائيليين حليفاً مؤثراً بين العرب قادراً على تحطيم شوكة التحالف الايراني - السوري اولاً, وزيادة حجم الضغوط السياية والعسكرية الاميركية والاسرائيلية على سورية ثانياً.
وهناك فريق ثان يستبد به الخوف من انفصام حال التواصل العراقي مع العالم العربي وانشغال العراقيين ببناء بلدهم بدل زج كل طاقاتهم في القضايا العربية وفي مقدمتها الصراع العربي - الاسرائيلي. وأصحاب هذه الآراء يدأبون على التمسك بما اثير عن تغلغل اسرائيل في شمال العراق, وإقدام الحكومة العراقية الموقتة على اصدار جوازات سفر عراقية موقتة لا تتضمن الاشارة الى منع العراقيين من السفر الى اسرائيل. هذا اضافة الى تأكيد بغداد حق الاسرائيليين من اصول عراقية في الحصول على جوازات سفر عراقية.
وثمة فريق ثالث يخشى ان يتحول العراق في ظل استقرار اوضاعه وتصاعد وتائر تجربته الديموقراطية وتحسن احواله الاقتصادية والمعيشية وتزايد نطاق الحريات الفردية في اطاره الى نقطة جذب للشباب العربي. وهذه حالة يمكن ان تقود الى خضّ الأوضاع العربية السائدة ودفع مصائر الانظمة الراهنة الى مهالك الخطر والمواجهات مع شعوبها
العراقيون من ناحيتهم, يحاولون طمأنة الانظمة والدول العربية إلى أنهم غير مستعدين للسماح باستخدام بلادهم قاعدة لتسليط ضغوط عسكرية أو سياسية على أي دولة عربية مجاورة او بعيدة. بل ان رئيس الحكومة العراقية الموقتة حرص في جولته العربية الاخيرة على تأكيد ان بلاده لا يمكن أن تتحول الى سلاح ضغط لإسرائيل أو أميركا ضد أي من أشقائه.
والمشكلة أن دولاً عربية عدة اقحمت نفسها في تناقضات يصعب الخروج منها. فهي توقّع مع العراقيين بيد, اتفاقات للتعاون الثنائي, فيما تنشغل بيدها الأخرى بتعطيل الاستقرار العراقي. والسر في هذا التناقض انها, من جهة, لا تريد مقاومة الادارة الاميركية أو الدخول معها في مواجهات مباشرة أو غير مباشرة بينما, من جهة ثانية, تعتقد بأن سوء الحالة الامنية في العراق يوفر لها فرصة لا تعوض لإلحاق الأذى بتلك الإدارة, كما أن زيادة التوتر الأمني في العراق توفر لها فرصة لا تعوض لإلحاق أذى آخر بها وتعميق تورطها في المستنقع العراقي بغية اضعاف دعائم سياستها في منطقة الشرق الاوسط واجبارها على التراجع عن نظرية الحرب الاستباقية ومتفرعاتها لتي طبقتها واشنطن لأول مرة في العراق.
والواقع أن كثيراً من المثقفين والسياسيين العراقيين بدأوا يميلون الى قناعة مفادها ان جولة علاوي, من أجل الحصول على دعم عربي واضح وصريح لبلاده, قد تكون بمثابة محاولة اخيرة لتواصل العراق مع العالم العربي. فاذا اثبتت الزيارة فشلها في ضمان ذاك الدعم, لن يبقى أمام العراقيين سوى اللجوء الى الخيارات الوطنية التي لا تتسع لأي توازنات عربية أو حسابات قومية عربية.
|