إيران الخائفة... والمخيفة
غسان شربل الحياة - 17/01/08//
طالبني السياسي بفهم أعمق لنهج ايران ولهجتها. قال انها دولة خائفة قبل ان تكون مخيفة. انتصرت ثورتها من خارج القاموس المتعارف عليه، فأثارت قلقاً وتوجساً وعداء. حلمت بتصدير الثورة، فردّ الخصوم بمحاصرتها. هاجمت «الشيطان الأكبر» الأميركي، فردّ بتحويلها «الشيطان الأكبر» في عيون دول قريبة وبعيدة.
يقول السياسي ان ايران رأت الجيش العراقي يشطب الحدود الدولية ويتوغل في أراضيها. رأت الصواريخ تتساقط على مدنها والغازات السامة تحصد جنودها ومقاتليها. وشاهدت العالم لاحقاً يمنعها من معاقبة العراق ونظامه ويرغمها على تجرع كأس السم في صورة وقف لإطلاق النار. ورأت لاحقاً الاتحاد السوفياتي يندحر وينتحر. وشاهدت «الشيطان الأكبر» الذي أذلته يوم احتجزت مواطنيه في سفارتهم في طهران يخرج منتصراً من الحرب الباردة ويستحق لقب القوة العظمى الوحيدة.
يعتقد السياسي بأن القيادة الإيرانية شعرت في تلك الأيام الصعبة ان نظام الثورة سيبقى مهدداً ما لم يحصل على ضمانة غير قابلة للشطب. هكذا ولد حلم الترسانة الصاروخية ومعه الحلم النووي. اختارت ايران الخائفة ان تتحول دولة مخيفة لإرغام اميركا على التنازل عن مطلب تغيير النظام أو تغيير لونه وتقليم هيبته وأظفاره.
هكذا انخرطت القيادة الإيرانية في معركة تجميع الأوراق. وفّر لها عالم ما بعد 11 ايلول (سبتمبر) فرصة ذهبية. تبرع «الشيطان الأكبر» بشطب نظامَي «طالبان» وصدام حسين وتورط في حربين باهظتين. رأت ايران الفرصة سانحة، خصوصاً مع غياب «حارس البوابة الشرقية». اندفعت. وها هي علاوة على تحالفها الوطيد مع سورية حاضرة في غزة عبر «حماس» وحاضرة على شاطئ المتوسط عبر «حزب الله». مضيق هرمز يعطيها القدرة على تهديد أمن النفط. حرب تموز في لبنان أعطتها القدرة على تهديد أمن اسرائيل. ونجحت في امتلاك «الثلث المعطل» في الملفات العراقية واللبنانية والفلسطينية.
ماذا تريد ايران الخائفة؟ ضمانة لنظامها ام اعترافاً بدورها في الإقليم ام الاثنين معاً؟ وماذا تريد ايران المخيفة؟ زعامة الإقليم ام استحقاق صفة الشريك الأكبر لـ «الشيطان الأكبر» في شؤون النفط وترتيبات الأمن والاستقرار؟ وهل الوسادة النووية هي الطريق لإنهاء عهد ايران الخائفة وقيام ايران دولة واثقة صاحبة الدور الأكبر في الشرق الأوسط؟ وهل يستطيع الغرب التسليم بولادة دولة ايرانية من هذا النوع بين خزاني الخليج وقزوين، خصوصاً انها لم تبدِ استعداداً كافياً لإحالة الثورة الى التاريخ والانضواء في منطق الدولة والرقص على موسيقى السلوك الدولي المنضبط؟
لا بد من الانتظار قليلاً لمعرفة كيف ستقرأ ايران نتائج جولتي الرئيسين جورج بوش ونيكولا ساركوزي وما رافقهما من مواقف وعقود عسكرية بينها القاعدة البحرية الفرنسية في دولة الإمارات العربية المتحدة. ولا بد من بعض الوقت لمعرفة كيف ستواجه هجوم السلام الأميركي في الملف الفلسطيني – الإسرائيلي وتوجه العراق والولايات المتحدة نحو شراكة أمنية استراتيجية ستتيح للقوات الأميركية الإقامة سنوات على حدود ايران.
يجدر بالقيادة الإيرانية التوقف عند ما سمعه بوش وساركوزي من القادة العرب حول ضرورة حل «النزاع النووي» مع ايران عبر التفاوض والديبلوماسية. يمكنها التقاط الفرصة لمراجعة نهجها ولهجتها والانتقال من ديبلوماسية التهديدات الى ديبلوماسية المبادرات الواقعية.
لا مصلحة للعرب في ايران خائفة ومتوترة. ولا مصلحة للعرب في ايران مخيفة تفرض لغتها وتملي إرادتها. مصلحة العرب هي في ايران دولة طبيعية. وهي في النهاية مصلحة ايران التي عليها ان تتذكر، على رغم الفوارق واختلاف المراحل، ان سباق التسلح دفع الاتحاد السوفياتي الى ركامه.
|