موقع دار الحياة
:التجديد الأخير 08:52 GMT - 2008/07/25

حال الطقس في 101 مدينة










قيصر في عهدة المرشد

غسان شربل     الحياة     - 05/05/08//

يصعب على العربي ان يصدق ان الرئيس تنتهي ولايته. وينحني لأحكام الدستور. يجمع اوراقه ويسلم السلطة لخلفه. ويغادر. التجارب لا تشجع العربي على التصديق. في قصر الحكم العربي متعة تغري بالتمديد. ومن الوريد الى الوريد. 

بعد يومين سيعاين العربي مشهدا غير مألوف. فلاديمير بوتين يغادر الكرملين ويتركه في عهدة تلميذه وصديقه ديمتري ميدفيديف (42 عاما). لا أريد اتهام الرئيس المغادر بأنه عاشق للديموقراطية على النحو الرائج في التجارب العريقة في الغرب. انه يفضلها تحت خيمة الاستقرار خصوصاً انها تفتقر الى جذور عميقة في الثقافة الروسية. لكنه لم يحاول على الأقل إذلال الدستور علناً. اكتفى على رغم النجاحات التي حققها بإبقاء الوريث قيد الرقابة.

يطالب الحكام التاريخ بأن يحفظ اسماءهم في صدارة صفحاته. قلة تنجح في حجز موقع بارز. التاريخ صارم وذاكرته تتقن النسيان. بوتين من تلك القلّة. يستطيع الادعاء ببساطة انه يترك القصر ووضع بلاده أفضل بكثير مما كان عليه يوم انتخب للمرة الاولى قبل ثمانية اعوام. لا يستطيع جورج بوش ارتكاب ادعاء من هذا النوع ولا يجرؤ على الاحتكام الى الأرقام.

عندما انتخب بوتين رئيسا في بداية القرن الحالي كان المشهد الروسي مختلفا. كان الاتحاد الروسي مهدداً بالتفكك. وكان العالم قلقاً من تشرذم ترسانة «الجيش الاحمر». كانت الخزينة الروسية فارغة وبدا القيصر في صورة المتسول لدى جلوسه الى مائدة الكبار. الصورة مختلفة تماما اليوم. روسيا دولة متماسكة. جيشها يستعد لعملية تحديث كبرى ومصانعه استعادت حيويتها. الخزينة تنام على مئات بلايين الدولارات. ومعدل النمو في حدود 7 في المئة. والمواطن الروسي يعيش افضل من السابق.

يمكن القول إن الحظ ابتسم لهذا الكولونيل السابق في الـ «كي جي بي». لكن الحظ وحده لا يكفي. لا بد من ارادة صلبة قادرة على التقاط الفرصة اذا سنحت. أظهر بوتين هذه القدرة وفاجأ العالم. طوّع الديموقراطية الروسية الطريّة العود لمصلحة الاستقرار والازدهار. اعاد الى الدولة دورها واعاد اليها انيابها ايضا. وظّف الارتفاع القياسي في اسعار الطاقة في تحسين الاقتصاد في الداخل وفي تحسين الموقع في الخارج.

الخمسينات ليست الوقت المناسب للتقاعد. ولن يترك الانجازات تضيع في عهد رئيس آخر. هكذا وقع خياره على ميدفيديف. ابن مدينته والجامعة التي تخرج فيها والذي عمل معه في بلدية بطرسبورغ. وحين انتقل الى الكرملين استدعاه. اخضعه لدورة تدريبية في ادارة القصر وكواليسه وفي ادارة شركة «غازبروم» العملاقة. وبدا المحامي الشاب نابهاً وأميناً وكامل الولاء. رشحه للرئاسة فكرّسه الشعب من الدورة الاولى.

بعد يومين ستنتقل الاختام الى يد القيصر الجديد. رجل بلا اوسمة. شاب هادئ وشبه معتدل القامة. مثقف ودؤوب ويحب موسيقى الروك. لا تاريخ له في المؤسسة الأمنية. وميوله الليبرالية تحتاج الى امتحان. ثم ان القيصر السابق لن يكون بعيدا. حجز موقعه في زعامة «الحزب الحاكم» وفي رئاسة الحكومة. تجربة غريبة غير مسبوقة في تاريخ روسيا وغيرها.

حين تختار روسيا قيصرها على العالم ان يتعامل معه. ملفات كثيرة تنتظره. من الدرع الصاروخية الى الشراهة الاطلسية. من كوريا الشمالية الى أحلام احمدي نجاد. من العلاقات مع الولايات المتحدة الى مراقبة الصعود الصيني. وسيتساءل العالم طويلا عن مركز القرار وحجم الأدوار في القارة الروسية.

من حسن حظ العالم ان بوتين لم يترك القصر في عهدة الفراغ كما فعل الرئيس اميل لحود. ولنا ان نتصور خطورة الكرملين شاغراً. والمعارضة تضرب خيامها في الساحة الحمراء قرب ضريح لينين. ورئيس الدوما يمنعه من الاجتماع لأن الحكومة بتراء. والجنرال يصرّ على النوم في سرير جوزف ستالين والا يطالب بسلة كاملة لإبقاء السرير شاغرا.

بعد يومين سيعاين العربي مشهداً لذيذاً. ولد ميدفيديف قبل أربعة أعوام فقط من ثورة الفاتح من سبتمبر. وسيقول الايراني ان ميدفيديف مجرد قيصر في عهد «المرشد» واسمه هذه المرة فلاديمير بوتين.











  إتصل بنا  |  عن الموقع   أعلى الصفحة 

مجموعة الاتصالات الاعلامية  © 2007 Media Communications Group