موقع دار الحياة
:التجديد الأخير 01:29 GMT - 2008/05/14

حال الطقس في 101 مدينة







عيون وآذان (الحل لن يأتي من السماء)

جهاد الخازن     الحياة     - 09/05/08//

أمس وعلى بعد ألفي ميل في لندن رأيت على التلفزيون في بيروت وسمعت ما ذكَّرني بمثل هذا الوقت من عام 1975.

لا أريد أن أضع نفسي في موقف أضطر فيه ان اختار بين الحكومة، وهي الشرعية اللبنانية، وحزب الله، وهو المقاومة. ولو كان الخيار بيدي لاخترت دائماً أن أكون مع الشرعية ومع المقاومة، غير أنني أشعر بأن خيارات المواطن اللبناني محدودة، أو معدومة.

كنت مع المقاومة ضد إسرائيل، وأنا معها اليوم، وسأبقى غداً، هذا أمر محسوم. غير أن عندي ما أشكو منه.

أكتب قبل أن يعقد السيد حسن نصر الله مؤتمره الصحافي، ولو كنت أستطيع نصحه، او أن أطلب منه معروفاً، لاقترحت عليه أن يحاول طمأنة اللبنانيين على مستقبلهم، وأن حزب الله ليس دولة داخل الدولة، ولا يريد لنفسه هذا الدور، وان الخلاف سياسي، وبين أهل البلد، وليس حرباً اهلية أخرى، أو حرباً بين السنّة والشيعة تحديداً.

الانفجار الأخير لم يكن وليد ساعته، فالعناد المتبادل لا بد أقنع المعارضة بأنها لن تحقق طلباتها بالاعتصام، فكان التصعيد، على طريقة «إذا ما كبرت ما بتصغر» إلا أنني أرى ان التصعيد لن يفيد، فهو سيكون متبادلاً، ودرس التاريخ الحديث للبنان يقول شيئاً واحداً هو أن الحروب بين اللبنانيين لا يمكن أن تنتهي بمنتصر ومهزوم.

أذكر بعد الاعتصام في وسط المدينة أن سماحة السيد وعد أنصاره بنصر (إلهي) ثانٍ، وأذكر أن العماد ميشال عون قال إن الوزراء لن يجدوا الوقت لجمع أوراقهم قبل مغادرة مكاتبهم، غير ان هذا لم يحدث، ويجب أن يبحث حزب الله عن حل لأن خراب البلد بعد خراب الأسواق التجارية ليس من مصلحته أو مصلحة أحد.

كلنا يخطئ، والمهم عدم العناد في الخطأ، وقد كان على المتظاهرين والمشاغبين أمس وعلى المعتصمين قبلهم ان يدركوا من البداية أن تحدّيهم الذي أخذ شكل مواجهة مع السراي على وقع مكبرات الصوت، ترجم على انه مواجهة بين معارضة بقيادة شيعية، وحكومة بقيادة سنية، وقد سمعت زعماء السنّة يشكون في مجالس خاصة من أن الشيعة يحاولون سلبهم ما حققوا من مكاسب في اتفاق الطائف.

هل إطلاق النار في الطريق الجديدة والبسطة والمصيطبة، والاحتكاك هو ترجمة الشارع للتنافس السياسي بين الطائفتين المسلمتين؟ ومن يضمن أن شرارة غير مقصودة لن تشعل حرباً أخرى؟

منذ انتهاء ولاية اميل لحود وتركه القصر الجمهوري، لم يبق وسط في المواجهة بين طرفي النزاع. وكان العماد ميشال عون يستطيع ملء الفراغ ومدّ جسور بين الطرفين، إلا أنه اختار التطرف والنتيجة ان لغة الحوار تراجعت مع تهم التخوين ومحاولات إملاء الحلول. وفي وقت زادت فيه القضايا الخلافية، فقد كان البحث الأصلي في المقاومة وسلاحها وفي المحكمة الدولية، وأصبحنا الآن نتكلم عن الرئيس (وغداً قائد الجيش اذا استمر الحال حتى الخريف) وحكومة الوحدة الوطنية وقانون الانتخابات، وحتى طريق المطار.

السيد حسن نصر الله من أذكى الناس بشهادة الجميع، وأعرف أنه لا يستطيع الخروج من تحالفه مع إيران عبر سورية ولا يريد، إلا أنه يستطيع أن يرفع الضائقة عن لبنانيين كثيرين أضرّ بهم الاعتصام من دون ذنب اقترفوه. وأعرف أن فؤاد السنيورة أطول اللبنانيين بالاً وأكثرهم أناة غير أن الصبر فضيلة وليس حلاً. ولعل الحكومة لم تحسن التخاطب مع حزب الله لاستدراجه الى قواسم يمكن الاتفاق عليها، ولعل اللغة الفوقية لبعض أركان الحزب نفرت الحكومة وأنصارها (أجريت امتحاناً في اللغة العربية للأخ عمرو موسى، ونجح بتفوق، فلعل النائب الذي نصحه بتعلم العربية أخطأ ويريد منه أن يتعلم الفارسية).

لا أعرف الحلول، ولكن أعرف كيف لا نصل اليها، فالقطيعة بين طرفي الخلاف قمة السلبية، هذا إذا كانت الحلول ممكنة أصلاً. وقد مضى زمن كان السيد فيه على اتصال دائم مع رفيق الحريري يتبادلان الرأي ويحلان المشاكل، أما اليوم فلا حوار بين السيد وسعد الحريري، والاجتماع مع رئيس مجلس النواب نبيه بري في حاجة الى حوار بدوره، قبل ان نصل الى الحوار الآخر.

بكلام آخر، اعتقاد أي فريق في لبنان أنه يستطيع فرض موقفه على الفريق الآخر ليس مجرد سياسة سيئة، بل سياسة انتحارية، أو جنون سيدفع ثمنه الفريق الذي يغامر بمستقبل وطنه مع الوطن كله.

مرة أخرى، أنا مع حزب الله دائماً ضد إسرائيل (ومع سورية أيضاً)، إلا أنني أجد ان حزب الله أمهر في المقاومة منه في السياسة، كما أنبه الحكومة الى ان الصبر وحده لا يعني شيئاً، فالحل لن يأتي من السماء أو من أي بلد على الأرض، وإنما يبدأ بين اللبنانيين ثم يحاول الآخرون المساعدة على نجاحه.











  إتصل بنا  |  عن الموقع   أعلى الصفحة 

مجموعة الاتصالات الاعلامية  © 2007 Media Communications Group