موقع دار الحياة
:التجديد الأخير 20:47 GMT - 2008/12/01

حال الطقس في 101 مدينة












من العرس إلى الدولة

غسان شربل     الحياة     - 16/07/08//

تتجرّع اسرائيل كأس السمّ. هذا يوم كانت تتمنى تفاديه. لن يكون أبداً مصدر فخر لمسؤوليها وجنرالاتها. يوقع شمعون بيريز الصفقة بـ "يد ترتجف". "هذا اليوم لا يبعث على سعادة احد في اسرائيل". قالها وراح يفتش عن اعذار للتوقيع. ايهود اولمرت يتحدث بالمرارة نفسها. سينزل في تاريخ بلاده مثقلا بعنوانين: فشل في حرب تموز وذلّ في صفقة الأسرى والرفات. ستضاعف الصفقة هشاشة موقعه المترنح أصلاً بسبب فضائحه المالية.
رجل آخر سيزعجه هذا النهار. اسمه ايهود باراك. قال في اجتماع الحكومة إن التقرير بشأن مصير الطيار رون آراد لم يقنعه. وأضاف: "لكن على رغم ذلك يتحتم علينا، ومع بالغ الألم، تنفيذ الصفقة مع حزب الله". وتتضاعف انزعاجات باراك ليس فقط لأنه وزير الدفاع حالياً بل لأنه بين ضباط الجيش صاحب الرقم القياسي في الأوسمة التي نالها في عمليات خطيرة وناجحة. سيتذكر باراك بالتأكيد يوم نزل في شوارع بيروت ليلا في 1973 وشارك في اغتيال ثلاثة من قادة المقاومة الفلسطينية. سيتذكر وسيعترف بأن الزمان تغير فعلاً. لم تعد تلك الرحلات ممكنة. صارت الاعتداءات باهظة التكاليف. الجندي الاسرائيلي الأسير في غزة يعد باراك بمشهد مؤلم آخر. يتمشى في مكتبه في وزارة الدفاع. الغيبوبة ساعدت شارون على تفادي هذه المشاهد.
في لبنان للنهار طعم آخر. أناشيد وأهازيج وأعلام. اظهرت التجارب ان لغة القوة هي اللغة الوحيدة التي تقنع اسرائيل. تقنعها وترغمها على قبول ما كانت تستبعده وترفضه. عودة الاسرى ورفات لبنانيين وفلسطينيين وعرب آخرين. حشود ونكهة انتصار. وحديث عن اذلال العدو. وتعفير صورته بعد إحداث ثقوب في هالته وقدرته على الردع.
حديث عن عرس وطني. بهجة عارمة بعودة الاسرى. وبعودة الرفات الى تراب الوطن. وتأكيد قاطع على ان ليس من حق الوطن التفريط بمصير أسير أو بجثمان شهيد تماما كما ان ليس من حقه التفريط بمصير شبر أو كرامة مواطن.
عرس وطني. هذا ما يحتاجه لبنان. لنترك جانبا ان هذا العرس كان مكلفاً او باهظاً. انه إنجاز فعلاً ان يتجدد الحديث في لبنان عن اعراس وطنية جامعة. مضى زمن لم نسمع فيه ما يجمع. يكاد الوطن يختنق بفعل الاحتباس الطائفي وانبعاث روائح الفتن المذهبية الجوالة. سيكون هذا اليوم تاريخيا فعلاً اذا تبيّن ان الوطن الذي يهب اليوم لاستقبال القنطار ورفاقه والجثامين والرفات هو وطن يستحق كل هذه التضحيات. وطن يحتضن كل الأحياء وكل الشهداء ولا يضيع تضحياتهم بحروبه الداخلية المجنونة.
لا نريد تعكير بهجة العرس. لكننا لا نريد ان يشعر الاسرى العائدون بالخيبة. ولا ان تشعر الجثامين بالضيق والعتب. إن الأوطان السائبة ليست أوطاناً. إن الأوطان السائبة لا تطمئن. وتقول دروس التاريخ إن الوطن قد يضيِّع قبور الشهداء وتضحيات المقاومين ما لم يوضع في عهدة دولة عادلة وقادرة. مثل هذه الدولة وحدها تحمي تضحيات الشهداء والأحياء. تحمي تضحيات كل الشهداء بلا استثناء وكل الأحياء بلا استثناء.
ولأن المناسبة كبرى لا لزوم للتوريات. لا تستطيع الدولة اللبنانية انكار تضحيات المقاومة. لا بدّ من جعل هذه التضحيات لبنة أساسية في بناء الدولة. في المقابل لا تستطيع المقاومة تجاهل حقائق التركيبة اللبنانية. ليس من حقها تأخير قيام الدولة وجعل المقاومة وظيفة دائمة للبنان حتى بعد استرجاع ما لا يزال محتلاً من أراضيه. كل انتصار على اسرائيل يبقى ناقصاً ومهدداً ما لم تقم في لبنان دولة تستحق التسمية. في غياب الدولة يتحوَّل الاستقلال مجموعة استقلالات فئوية داخل الوطن. وهذه الاستقلالات الصغيرة لا يمكن إلا أن تكون متنابذة. في غياب الدولة تتحول السيادة مجموعة سيادات لطوائف ومذاهب تستعد لساعة الاشتباك.
ليس من حق الدولة التعامل مع المقاومة كأنها فصل عارض او محرج. ليس من حق المقاومة اعتبار الدولة منافساً أو خطراً متربصاً بهالتها وحريتها. لهذا فإن الواجب الوطني يقضي ان ينطلق اللبنانيون من العرس اليوم لاستعادة مشروع بناء الدولة. دولة تؤتمن على مهمة استعادة مزارع شبعا وتلال كفرشوبا بالديبلوماسية أولاً ثم بالوسائل الاخرى إذا وصلت الجهود الديبلوماسية الى طريق مسدود. ومن دون الذهاب الى الدولة سيظل كل شيء مهدداً وسيضيع دم الشهداء الذين قدموا أرواحهم لترتفع هامة الوطن وينعم أهله بالحرية والكرامة والأمن والاستقرار. إن الانتصار الفعلي على اسرائيل يجب ان يتمثل في قيام دولة لبنانية لا تجرؤ الدولة العبرية على انتهاك أراضيها او أجوائها ولا تنتهك داخلها حقوق فرد او جماعة.











  إتصل بنا  |  عن الموقع   أعلى الصفحة 

مجموعة الاتصالات الاعلامية  © 2007 Media Communications Group