تعقيباً على مارك لينش ... أميركا والإسلام السياسي: سؤال المصالح لا الديموقراطية
محمد أبو رمان الحياة - 10/03/08//
ينطلق أستاذ العلوم السياسية في جامعة جورج واشنطن، مارك لينش، في ورقته «رؤى إسلامية في الإصلاح» (التي قدّمها في مؤتمر «أميركا والعالم الإسلامي» في الدوحة مؤخراً) من موقع النخبة الأميركية التي تؤمن بالحوار بين الولايات المتحدة الأميركية والحركات الإسلامية (التي تعلن قبولها باللعبة الديموقراطية وبالتعددية وتداول السلطة).
ولينش أقرب في رؤيته إلى القراءة العقلانية منه إلى المواقف الأيديولوجية المعلّبة، ما يسمح برؤية المشهد بألوانه المتعددة، على خلاف الرؤية الأخرى التي تصر على دعم النظم العربية الحالية، بذريعة حماية المصالح الغربية في المنطقة، التي ستتضرر في حال وصلت حركات إسلامية إلى الحكم.
ومع اتفاقي مع لينش في ضرورة التخلص من «فوبيا البديل الإسلامي» وعدم الاستسلام لمقولات الحكومات العربية ضد الإسلاميين، ما يُعطِّل مسار الإصلاح السياسي ويعزز من الأزمات البنيوية التي تعاني منها المجتمعات العربية اليوم، إلاّ أنني أخالفه في تحديد العقبات الرئيسة التي تحول دون الوصول إلى «الأرضية المشتركة» بين الولايات المتحدة والإسلاميين والتي يرى لينش أنّها تتمثل بالمطالبة بالديموقراطية في العالم العربي.
فلينش يرى أنّ نزعة معاداة الولايات المتحدة المنتشرة في العالم العربي تؤدي إلى حجب الرؤية عن «القواسم المشتركة» بين الطرفين، بالإضافة إلى النزعة الاجتماعية المحافظة التي تتسم بها مواقف الحركات الإسلامية، إذ تقف – في الاغلب الأعم- موقف المعارضة للقيم الاجتماعية الليبرالية السائدة في الغرب عموماً وفي الولايات المتحدة خصوصاً.
إنّ مركز اختلافي مع لينش أنني أشكك ابتداءً بأنّ هنالك أرضية مشتركة بين الطرفين (الأميركي والإسلامي)! فالإدارة الأميركية لا تحتكم في سياستها الخارجية لمعيار الديموقراطية من جهة، والحركات الإسلامية لم تتجذر الديموقراطية بعد في تصوراتها وممارستها السياسية.
على الطرف الأميركي؛ اتسم الموقف الغربي، منذ الحرب البادرة إلى أحداث أيلول، بغلبة مقولات «المدرسة الواقعية» أي تفضيل المصالح الاستراتيجية والاعتبارات الأمنية على شواغل الديموقراطية وحقوق الإنسان والحريات العامة وما يرتبط بها. وربما تشكل مرحلة ما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، بصورة خاصة مبادرة الشراكة الأميركية، لحظة تاريخية مفارقة للمسار الأميركي العام، إذ تغلّب الاتجاه الذي يدفع إلى تعزيز الديموقراطية وحقوق الإنسان والحريات العامة على الاتجاه الواقعي، وبرزت أصوات داخل الإدارة الأميركية تتحدث عن عدم وجود ممانعة في وصول إسلاميين إلى الحكم طالما التزموا باللعبة الديموقراطية وبعض المعايير الأخرى، كما صرّح بذلك ريتشارد هاس، مدير التخطيط السابق في وزارة الخارجية الأميركية.
إلاّ أنّ هذه اللحظة التاريخية، على الرغم من كل الآمال التي عُقدت عليها لم تدم طويلاً. إذ بدأ المشهد العراقي يتدهور ويتحول إلى مأزق حقيقي للإدارة الأميركية، في المقابل برزت أزمة المشروع النووي الإيراني، والانتصار الساحق لحركة حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية، ما دفع بالإدارة الأميركية باتجاه إعادة ترميم تحالفاتها مع الدول العربية، فعادت قضية الديموقراطية وحقوق الإنسان إلى الوراء مرة أخرى مقابل حسابات المصالح الاستراتيجية والأمنية.
لقد انتهت الدعوة الأميركية للإصلاح نظرياً وعملياً، وظهرت مقاربات متعددة في الولايات المتحدة والغرب تعيد التركيز على مقولات المدرسة «الواقعية». فيما برزت مقاربات تحاول التوفيق بين الاعتبارات الأمنية والمصالح من جهة وبين الديموقراطية وحقوق الإنسان من جهة أخرى، إلاّ أنّها تعطي الأولوية والأهمية للاعتبارات الواقعية، كما يذهب زيغينو بريجينسكي في تبنيه مقاربة «الواقعية التقدمية».
لا يعني انتهاء دعوة الإصلاح الأميركية أنّ العلاقة بين الولايات المتحدة الأميركية والحركات الإسلامية أصبحت أمام طريق مغلقة. لكن المعيار الرئيس الذي يحدد طبيعة هذه العلاقة ليس الديموقراطية، بل مدى خدمة هذه الحركات للمصالح الأميركية أو تضاربها معها، كما يذهب الخبير الأميركي روبرت ساتلوف في دراسته المهمة «السياسة الأميركية تجاه الحركات الإسلامية».
على الطرف الآخر، المتعلّق بمدى إيمان الإسلاميين بالديموقراطية؛ فقد أصدر العديد من الحركات الإسلامية وثائق ومبادرات للإصلاح، خلال السنوات الأخيرة، يؤكد قبولها بالديموقراطية وقيمها، بما في ذلك التعددية السياسية والفكرية وتداول السلطة، ما يمثل مرحلة فكرية- أيديولوجية جديدة في خطاب هذه الحركات. لكنّ ذلك لا يعني نقطة النهاية في النقاش. فالإيمان بالديموقراطية وقيمها ليس قراراً «سياسياً ً» بقدر ما هو عملية تاريخية متطورة ترسو إلى ثقافة مستقرة بعد أزمات وصراعات أو مخاضات فكرية وثقافية.
ولعلَّ العديد من التجارب الإسلامية المستحدثة في الحكم لا تبعث على «الاطمئنان» إلى إعلان الإسلاميين قبولهم بالديموقراطية. وإذا تجنّبنا الحالات التاريخية السابقة (من حكم الإسلاميين) فإنّ المتغيرات الجديدة لا تخدم الدعوى الإسلامية، والشاهد الرئيس على ذلك ما يحدث في العراق اليوم على يد الحركات الإسلامية التي أعلنت سابقاً التزامها بالديموقراطية والدولة المدنية ثم هي اليوم تحتكم في ممارساتها وقيمها السياسية إلى المعايير الأولية ولا تحترم التعددية الدينية والمذهبية والسياسية وتقدَّم أدلّة هائلة لخصوم الإسلاميين. والحال نفسها تنطبق على حركة حماس، فبعيداً عن الضغوط والحصار الذي تعرّضت له الحركة فإنّها ساهمت في زرع شكوك وتساؤلات حول إيمانها بالديموقراطية بعد استيلائها على غزة وفي سلوكها مع الخصوم السياسيين والصحافيين، وقد أشار تقرير هيومن رايتس وتش إلى تمادي حماس في استخدام القوة.
لا يعني ما سبق الحكم بأنّ الصراع هو العنوان المكتوب لعلاقة بين الإدارة الأميركية وبين الحركات الإسلامية، تحديداً في المنطقة العربية، لكنّ المقصود أنّ المدخل «الديموقراطي» لم يقوَ بعد لبناء قراءة العلاقة، مقارنة بمدخل «المصالح الاستراتيجية» الذي يحكمها بالفعل.
كاتب أردني
|