موقع دار الحياة
:التجديد الأخير 22:41 GMT - 2008/12/01

حال الطقس في 101 مدينة












اعتيادية العنف وتهافت حديث الديموقراطية

عمرو حمزاوي      الحياة     - 22/06/07//

لم يكن الأربعاء، الثالث عشر من يونيو(حزيران) 2007 سوى يوم اعتيادي في جغرافية العنف العربية. بدأ بتفجير مرقد الإمامين في سامراء متحولاً عنها صوب غزة حيث استمر إهدار الدم الفلسطيني في مواجهات فتح - حماس ليضع بعدها رتوشاً تكميلياً على صورة شقاء مجتمعاتنا العربية في بيروت باغتيال النائب وليد عيدو ومرافقيه ومن خانهم القدر بتواجدهم في ذات المكان واللحظة. تتكرر مشاهد العنف كل يوم في أكثر من مدينة عربية، فليس ذلك عن واقعنا بغريب. فقط أولويات التغطية الإعلامية هي التي تحدد أي موقع أو أية متوالية من المواقع سيكتب لها المرور إلى وجدان المواطن-المتفرج، ضحية الغد المحتملة.

وأعترف أن أحداث الأربعاء الدامي، وعلى الرغم من قناعتي التحليلية باعتياديتها وقدرتي على تفسيرها بالرجوع إلى مسبباتها المتنوعة، هزت وجداني بعنفوان غاب عن نظائرها المتواترين تصاعداً خلال الشهور الماضية، وعلى نحو دفعني إلى إعادة التفكير في القضية التي تستحوذ اليوم على جل طاقتي البحثية، ألا وهي إمكانات التحول الديمقراطي في المجتمعات العربية. و دونما حذف أو تجميل أو ترشيد لصياغات اللحظة الانفعالية الأولى، كانت تلك هي ما راودني من انطباعات:

أولاً، تبدو أحاديث الديموقراطية والتحول الديمقراطي على خلفية هيمنة ثقافة العنف الإقصائية والغياب الكامل لقيمة الفرد-الإنسان-المواطن كفقاعات هواء لا محتوى لها. فالديموقراطية هي في الجوهر منهج وإجراءات الإدارة السلمية للاختلاف التي تسمح بتعددية الطروحات والفاعلين وبتداول السلطة بينهم في إطار من حكم القانون والمشاركة الشعبية، وبالتالي فلا إدارة للاختلاف في العراق أو فلسطين أو لبنان إن تجاوزت مضامينه، أو هددت بتجاوز، الخطوط الحمراء لآلات القمع الدولانية (المكون الأمني-الاستخباراتي) وغير الدولانية (أحزاب وفصائل وكتائب وجبهات ومنظمات وغير ذلك من المسميات التي لوثت قاموس الفعل السياسي في المشرق) سوى بالإلغاء والتصفية. وفي حين يرتبط تعدد مصادر القمع في العراق وفلسطين ولبنان بالانهيار الكامل لقدرة الدولة على احتكار الاستخدام الشرعي للعنف، تنفرد الدولة السلطوية في جل الحالات العربية الأخرى بأداء المهمة بكفاءة وتعقد وظيفي تتنوع معهما مستويات القمع من قتل إلى سجن واعتقال وتعذيب مروراً بتعقب وتشريد ومنع وانتهاء بتهديد ووعيد، تماماً كما تختلف الجهات المنفذة من أجهزة رسمية إلى شبكات غير رسمية.

ثانياً، الأصل في عمليات التحول الديمقراطي في المجتمعات الحديثة هو تبلور قناعة إستراتيجية (بمعنى الاستقرار النسبي على مدار فترة زمنية ليست بالقصيرة) لدى النخب الحاكمة والنخب البديلة وحركات المعارضة بإمكانية الصناعة السلمية للتوافق بينها بصورة تضمن مصالحها الحيوية وتصيغ من القواسم المشتركة ما يسمح بتفعيل مبدأ المسؤولية-المحاسبة المزدوج من خلال نظام قضائي مستقل وبإشراك الأفراد بوصفهم مواطنين في تحديد معنى الصالح العام، من خلال آليات كالانتخابات للهيئات التشريعية والرقابة الشعبية لمؤسسات المجتمع المدني. عربياً وبالمقابل، يدلل استشراء ثقافة العنف الإقصائية على مركزية مقاربة الخطر والمعادلات الصفرية، حين تنظر النخب والقوى الحاكمة والبديلة إلى بعضها البعض، الأمر الذي يرتب بالتبعية راديكالية الفعل والنزوع المستمر نحو ساحات سياسية يستحوذ عليها عنوة وتحتكر دون تفريط.

ثالثاً، ليس لمثل هذه الرؤى والممارسات سوى أن تنتج عسكرة شاملة للمجتمع وللسياسة تتناقض جذرياً مع الفكرة الديموقراطية وتزيد من تهافت أحاديثنا كمهتمين عرب عن إمكانات التحول باتجاهها. تضخم المكون الأمني-الاستخباراتي في جل الدول العربية المتماسكة، جمهورية وملكية، حتى طغى على سلط تنفيذية ألغت أو حجمت استقلالية السلط التشريعية والقضائية وانفردت بالفعل السياسي والمجتمعي. أما في حالات الدولة الفاشلة (العراق ولبنان) أو الغائبة (فلسطين) فتمتد العسكرة من القوى السياسية إلى تركيبات المجتمع الأولية الطائفية والجهوية وتتداخل معها على نحو يصنع دويلات داخل الدولة تمتد كالخلايا السرطانية لتجهز عليها أو كي لا تسمح لها بالبحث عن بدايات تأسيسية جديدة. بأية مصداقية إذاً ننادي بصوت لكل مواطن في لحظة يمكن بها اختزال الواقع العربي الراهن إن في رمزية مقولة سلاح في وجه كل مواطن يتجاوز خطوطي الحمراء أو سلاح لكل مواطن يكرس معي خطوطي الحمراء؟ فرغت المواطنة من مضامينها الحقيقية واستحالت حديثاً بالياً لنخب حاكمة سلطوية وكيانات دينية وطائفية تسلب الفرد أدميته وحقه في الحياة كيفما شاءت، فعن أي صوت نبحث؟

رابعاً، مجتمعاتنا في مأزق حقيقي مازالت تراوح معه عاجزة في مواقع اللاحسم أو الحسم القسري المفتقد للشرعية (بمعنى القبول الشعبي) لأسئلتها الكبرى المرتبطة بالعلاقة بين الفرد والجماعة والدولة وبدور الدين في السياسة وحدود مدنية الأخيرة وبالجوهر الناظم لتدافع الأغلبيات والأقليات. هنا هيمنة ثقافة العنف الإقصائية وما ترتبه من غياب لآليات الصناعة السلمية للتوافق هي سبب العجز ونتيجته المكرسة له في آن واحد. بالمقابل وعلى أحد مستوياتها الرئيسية، تتمثل عبقرية الفكرة الديموقراطية كنظام لإدارة المجتمع والسياسة في الحيلولة دون تحول العجز والجمود إلى ظاهرة مستديمة من خلال بحث الفاعلين المختلفين المستمر عن قواسم مشتركة وتوافقات جديدة وميكانزمات تصحيحية تترجم بكفاءة إلى إجراءات قانونية وتقاليد مؤسسية وسياسات عامة تضمن دينامية التعاطي مع تحديات اللحظة والحراك التراكمي.

يرفض عقلي هذه المرة البحث عن مخارج تحليلية أو عن صياغات إنسانية خلاصية قد تستعيد مساحات ولو محدودة من الأمل. عالمنا في جحيم وأرغب في التوقف والتقاط بعض الأنفاس.

باحث مصري في مؤسسة كارنيغي للسلام العالمي– واشنطن.











  إتصل بنا  |  عن الموقع   أعلى الصفحة 

مجموعة الاتصالات الاعلامية  © 2007 Media Communications Group