• 1268938772795448400.jpg
 
بيروت
°20 م
°19 م
مشمس جزئياً
لندن
°11 م
°2 م
مشمس إجمالاً
الرياض
°24 م
°12 م
مشمس
 
Dow Jones Industr(10779.2)
NASDAQ Composite(2391.28)
FTSE 100(5681.39)
^CASE30(0)
USD to EUR(0.737)
USD to GBP(0.6604)

 

أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط
  • في تاريخنا الحديث ... قيادات صغيرة وقضايا كبيرة
    الثلاثاء, 09 فبراير 2010
    معن البياري *

     يَروي محمد حسنين هيكل أنه عـنـد بـدء لـقـائـه مرّة مع صدام حسين في بغداد، كان الأخير يودّع ياسر عرفـات وقيـاديين فلسطينيين بعد اجتماعهم معه، وعقب خروجهم، قال لهيكل إن هؤلاء أصغر من قضيتهم. وإذ لم يكن الرئيس العراقي الراحل حكيمَ عصره، ولم يـشـتهر بسـداد الـرؤيـة، فلا وجاهةَ لرأيه في عرفات وفي غير عرفات. وتُضمر نميمتُه تلك موقفاً خفياً لديه تجاه الزعيم الفلسطيني، ربما ينفضح للمرة الأولى، على شاشة «الجزيرة» الأسبوع الماضي، وفي البال أنها كانت وفيرةً في تلفزاتنا مشاهدُ عناقات الود الحميمة بين الرجلين، وليس سراً أن ياسر عرفات ظلّ يمحض صديقه صدام حسين إعـجـاباً خاصاً، تسبّب لاحقاً بخسارات غير قليلة أصابت فلسطينيين عديدين.

    وفي مقامِ حديثٍ، كهذا، عن وقائعَ عربية مضت، انطوى أرشيفها، بعضُها سابقٌ على صدام وعرفات، تبيّن مطالعاتٌ فيها وإطلالاتٌ عليها أنّ تعاسة أحوالنا السـياسية، ورداءة أوضاعنا الراهنة على غير صعيد، من نواتج تلك الوقائع وذلك الأرشيف، وعلى صلة بها مثلاً أن إنجاز تحرير فلسطين يبتعد، والاحتلال العسكري المباشر يعود في العراق، والشعور الجمعي القـومي ينحسر، واستضعاف أقطارنا يزيد.

    يستطيب كثيرون منا الكلام عن الخمسينات والستينات، مثلاً، بشيء من الإجلال، بدعوى أن روحاً قومية عربية كانت حاضرة، وكان لها نفوذها ربما، وكانت أفكار الوحدة والتحرر والعروبة والبعث والاشتراكية والناصرية من تفاصيل النقاش الوطني العام. ومع الاحترام الواجب لكل من شاركوا في ذلك النقاش في حينه، فإننا عندما نقرأ عن تلك السنوات، ونطلّ عليها بعيون الراغب في التعرف اليها والعلم عنها، نقع على مكايدات ومنازعات وصراعات ومؤامرات وانقلابات وتصفيات وفيرة في أثناء تلك المرحلة، شارك فيها قوميون وبعثيون وشيوعيون وناصريون وقوميون وانفصاليون ووحدويون وعفلقيون واشتراكيون، من كان منهم في السلطة أو في ضفافها أو في معارضاتها أو في اصطفافات معها أو على خصومات محتدمة معها، ناهيك عمن كانوا في مواقع عسكرية واستخبارية وأمنية متقدمة. النمائم بينهم فادحة، والتوجس وانعدام الثقة كثيران بين أصحاب الخيار الواحد ورفاق الحزب ومجموعة القيادة، ما قد يجيز القول إن عديدين منهم كانوا أصغر من القضايا التي افترضوا أنفسهم حماةً ورعاة لها، ومنها قضايا فلسطين وبناء الاستقلال والوحدة.

    تُزوّدنا مذكراتُ شهودٍ في تلك المرحلة بانطباعات سلبية، وربما بأحاسيس غير هيّنة من الكآبة. وتزودنا بمثل هذه وتلك وغيرهما الشهادات التي باتت تُيسرها بوفرة فضائيات عربية، في استضافاتها شخصياتٍ كانت لها أدوارها وتجاربها في عقود ماضية، وربما تجهد «الجزيرة» في محاورتهم، لتنكشف سوءاتٌ بالغة في أزمنة جمال عبد الناصر والبعث العربي الاشتراكي وهواري بومدين، ما قد يصب في مصلحة خيارات سياسية وفكرية أخرى. تجعلنا تلك المذكرات والشهادات والمحاورات على قناعة بأن هزيمة 1967 كانت حتمية، طالما أن مصر لم تتأهل لها، ليس عسكرياً فحسب، بل على صعيد بناء السلطة والدولة، وعلى صعيد تنظيم العلاقة بين أهل الحكم أنفسهم. وتعرّفنا بأن الديموقراطية لم تكن أولوية لدى أحد، وبأن الفردانية والأنانية والذاتية والطاووسية كانت من (شمائل) عديدين ممن اعتنقوا تحقيق العدالة الاجتماعية والوحدة والاشتراكية، في مصر والعراق وسورية وغيرها، فكانوا أصغر من تلك القضايا. ومن مفارقاتٍ غير قليلة، أن من يقرأ أولئك ويستمع إليهم، يقع على مسافة واضحة كانت بين أهل العلم والعمران والتعليم والطبابة والتخطيط وأهل السياسة والسلطة والحكم من أصحاب الأفكار الكبرى بتحرير فلسطين والقضاء على الرجعية وتحقيق الوحدة العربية وأولويتها على الشيوعية والماركـسـية والتـصدي للإمبريالية ومناوءة أذنابها.

    ففيما كان القوميون والبعثيون يُلاحقون الشيوعيين والاشتراكيين في الشوارع وينصبون لهم المشانق، ولم يكن هؤلاء يوفرون أولئك بالتصفيات والقتل والخطف والسجن، قبيل وبعيد إخراج عبد السلام عارف من السجن الذي حبسه فيه رفيقه عبد الكريم قاسم وقَتْل الأخير، وهو صائم في مبنى الإذاعة، برصاص في فمه، فيما كان العراق على هذه الصورة (الزاهية) من تنافس أصحاب أفكار التقدم على من يفيد بلده أكثر، كان عراقيون يتعلمون ويبنون الجامعات ويطوّرون في الزراعة والصناعة، وبرزت نخب في هذا كله انتفع بلدها من خبراتها وقدراتها، الأمر الذي استمر لاحقاً، على رغم انقلابات ومؤامرات وحروب تالية، فاستحق العراقيون أن يُخلع عليهم أنهم ألمان العرب. وليس من المصادفة أن الجزائر والعراق كانا في مطلع السبعينات البلدين العربيين الوحيدين المرشحين لتجاوز حالتهما العالمثالثية، وأن يصيرا في الثمانينات وبعدها على ما نعرف من تردّ وتراجع مريعين.

    قد ينسحب المثال العراقي المذكور، وإن باختلافات، على ما شهدته مصر وسورية مثلاً من تطوير إنمائي على غير صعيد، ومن انتفاع دول الخليج الناهضة من نخبها ومتعلميها، وكان من عناوين الحكم فيها التسلط والفردانية وحبس المعارضين واحتكار السلطة للحقيقة، وكان التجبر واضحاً من أهل السلطة ضد أسلافهم، مثل الذي لحق سابقي حافظ الأسد في السلطة، وما أصاب أصحاب عبد الناصر بعد تولي أنور السادات الحكم. ويساعد التأشير إلى مثل هذه (المآثر) العربية في التدليل على أن قضايا العرب وطموحاتهم في التقدم السياسي والاستقلال الوطني الحقيقي حملتها قيادات أصغر منها.

    ولذلك، كانت مآلات الحال العربي في القيعان التي نُعاينها الآن، ومنه القاع الفلـسـطيني الراهن الذي كان مسار منظمة التحرير وزعاماتها يتجه إليه، وبسرعة أحياناً، منذ الهوس بالإعلام التعبوي والمكابر بُعيد معركة الكرامة في 1968 مروراً بالذي كان في جمهورية الفاكهاني في بيروت وصولاً إلى الاقتتال الذي أعقبه اختطاف حركة حماس قطاع غزة.

    يُقال هذا هنا، فيما التقدير واجب ومطلوب دائماً لكل الإسهامات في اتجاه تأكيد الهوية الفلسطينية، ولكل مقاومة سقط في درب التضحية في أثنائها شهداء وأسرى وجرحى. وهو واجب ومطلوب أيضاً لكل رجالات الوعي التنويري بقضايا العرب وتطلعاتهم إلى التقدم والتنمية والتحرر في غير زمن ومرحلة، في كل بلد عربي، ومنها العراق الذي راق محمد حسنين هيكل فيه كلاماً لنائب الرئيس فيه في السبعينات، وكان اسمه صدام حسين، عن التطوير والتخطيط الاقتصادي والتنموي، وأشار عليه بأن يجلس إلى وزير خبير ومختص في هذه الشؤون ليستمع إليه عنها، وهو ما قام به هيكل الذي قال (في مقابلة تلفزيونية بعيدة) إنه لاحقاً في سنة من الثمانينات سأل صدام، وقد صار رئيساً، عن ذلك الوزير، فأبلغه أنه تم شنقه، بعد اكتشاف عمالته. وفي تلك الواقعة إيجاز لمشهد عربي مديد، تسيّد فيه ناس أصغر من قضايا تولوها، كانت وما زالت كبرى وثقيلة.

    * كاتب فلسطيني.

أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط

اضف تعليق

بريدك الإلكتروني لن يظهر علناً احتراماً للخصوصية
  • شروط نشر التعليق: عدم الإساءة أو التجريح والشتم والابتعاد عن الألفاظ النابية وكل أنواع التحريض