-
المعلوم الذي يجب أن يبقى مجهولاًالأحد, 14 مارس 2010
منع تداول بعض الأفكار والمعلومات قديم، ومنذ أن عرف كان له دوافع سياسية وأخلاقية، كما هي الحال اليوم، ففي الصين قبل الميلاد كان يمنع تداول الكتابات التاريخية التي قد توحي بأن الصين لم تكن تحت حكم موحد، وأيضاً قبل الميلاد كان أفلاطون يوصي بمنع الفنون التي تفسد أخلاق الناس، وبين هذا وذاك آلاف سياسات ومواقف لا تحصى في التضييق على حركة الأفكار. ورفض فكرة المنع أيضاً قديم، فلم يكن هناك منع إلا وهناك من ينتقد الفكرة ويراها غير ملائمة أو غير مجدية، فمؤرخ الإمبراطورية الرومانية تاكتيكس (ت 117م) كان يقول عن منع الكتابات المسيحية «إنه طالما اقترن امتلاكها بالخطر فإن الناس ستسعى لها ومتى كان امتلاكها أمراً عادياً فإنها تفقد أهميتها». ومع ظهور أفكار الحريات الشخصية والسياسية في أوروبا أخذ الجدل منحى آخر، ولكن بقي المنع وبقي له مؤيدوه ومعارضوه، ويستمر المنع إلى اليوم في كل الدول الحرة منها والمستبدة.
والمنع من حيث المبدأ مقبول لدى أكثر الناس، وكل مجتمع لديه معاييره يقرر بها ما لا ينبغي إظهاره، فقلة تماري في ضرورة منع تعريض القصَّر للمشاهد الخليعة، وقلة تماري منع مشاهدة البالغ لأطفال في حالات خليعة، ولكن هناك جدلاً في مسوغات المنع، أهو لحماية الغير من التأذي، كما يتم حماية الأطفال من تعريضهم لمشاهد هم ليسوا أهلاً لتشخيص فائدتها أو ضررها؟ أهو حماية خصوصية الطفل من أن يتم التعدي عليها ممن يشاهدهم في مواقف غير لائقة؟ أهو لحماية النقاء الأخلاقي للمجتمع؟ أيضاً هناك جدل في تحديد الجهة التي يحق لها ممارسة المنع، أهي سلطة مفردة مثل الجهة الرسمية أو المؤسسة الدينية؟ أم المجتمع كله من خلال مؤسساته؟ وهناك جدل أيضاً في نطاق المنع، نطاقه من حيث المكان والزمان وأيضاً نطاقه من حيث المضمون، فبعض البلدان لا تمانع من تداول الأفكار ولكن تقيده في أمكنة محددة، مثال متطرف لهذا هو تقييد السماح بالعري في أماكن محددة ومنعه في أماكن أخرى، مثال آخر هو فكرة «مناطق الحرية»، أي المواقع التي يسمح فيها بالتعبير الحر من دون غيرها، وهذه يدور حول مشروعيتها جدل في الولايات المتحدة وبعض دول أوروبا.
والمنع أنواع، فمثلاً هناك منع غرضه إخفاء أفكار بحيث لا تتحول من مساحة المجهول إلى مساحة المعلوم، وهناك منع آخر غرضه السكوت عن أفكار بحيث لا تتحول من معلوم إلى معلوم، وهذه الأخيرة هي موضوع المقال.
من حضر معارض الكتاب في السنوات الأخيرة يجد ظاهرة لافتة، وهي بيع الكتب الممنوعة من «تحت الطاولة» كما يقال، هي كتب ممنوعة مسموحة، ممنوع عرضها على الملأ ولكن مسموح بيعها، الظاهرة تشير إلى حال من حالات المنع التي لا تندرج ضمن المنع التقليدي الذي غرضه إخفاء المعلومة.
قد نقول إن هذا لمجاملة تيارات محددة في المجتمع بحيث لا تستفز، وقد نقول إنها خطوة إلى الأمام في مجال الحريات في تداول الأفكار، ربما، ولكن قبل وصفها بأي شيء أرى أن يتم التأمل فيها لأنها قد تكشف أموراً أخرى.
ويمكن تقسيم الممنوع والمسموح إلى أنواع، فهناك ممنوعات لا يجوز التصريح بأنها ممنوعة، وإن كان الكل يعلم أنها ممنوعة، ولن أستطيع ذكر مثال هنا لأن هذا تصريح بها، وهناك ممنوعات يصح التصريح بأنها ممنوعة، وهذه التي يتم وضع الأنظمة لها بل أحياناً يسمح بالجدل العام حولها، ونطاق هذه الممنوعات واسع من المواد ذات المضامين الخليعة إلى المواد ذات المضامين المنتاقضة مع الدين أو الوطن، وهناك مسموحات لا يصح التصريح بأنها مسموحة، وهذه الحال التي نشاهدها في معرض الكتاب، وأخيراً هناك مسموحات يصح التصريح بأنها مسموحة.
في الغرب لا يوجد إلا دائرتان، ممنوعات يصح التصريح بأنها ممنوعة، ومسموحات يصح التصريح بها، ويتم الجدل عليهما على الدوام.
الممنوع الذي يمنع التصريح بأنه ممنوع. يوجد في دول متعددة خصوصاً ذات الأنظمة الشمولية، ولكن أريد التركيز هنا على المسموح الذي لا يصح التصريح به، ولعل السؤال الأساسي الذي أثير في ذهني هو: وما وظيفة هذه الدائرة؟ قد أقول إن هذه الدائرة وسيطة بين الممنوع وبين المسموح، وبالتالي فوجودها خطوة متقدمة بغرض التهيئة لحريات أوسع، ربما ذلك ولكن يأتي سؤال آخر يثيره التفاوت بين وصفنا لهذا السلوك وبين شعورنا حال السلوك، فقد نصفه بالنفاق أو بالمداراة، ولكن كثيراً ممن يمارس هذا قد يقول إنه لا يشعر بأنه ينافق أو يداري، شعور النفاق معروف، وشعور المداراة معروف. والشعوران غائبان هنا، في حال المسموح الممنوع، من يمارسه يعلم أن المسموح سيتحول إلى ممنوع بمجرد التصريح بوجوده، لا يوجد نفاق هنا، ولا يوجد مداراة لأحد، الكل يعلم ما يحصل، الجهة الرسمية تعلم، والمؤسسة الدينية تعلم، وبائع الكتاب يعلم، والمشتري يعلم، المهم في كل هذا عدم التصريح به.
المنع الذي نعهده هو المنع من أجل إبقاء المجهول مجهولاً، فيتم منع الكتب التي فيها أفكار لا يراد أن يتم تداولها لتبقى مجهولة، ولكن ما نشاهده يختلف عن هذا تماماً، لتتضح الصورة لنأخذ التقسيم الشائع للمعلومات، فهناك معلومات نعلم أنها معلومة، فأنا أعلم أنني أعلم بهذا أو بذاك، وهناك مجهولات نعلم أنها مجهولة، فأنا أعلم أنني أجهل الفيزياء الكمية، وهناك مجهولات لا نعلم أنها مجهولة، وهذا ما نسميه الجهل المركب، وهناك معلومات نجهل أنها معلومة، وهي الأمور التي لا نعي أننا نعلمها أو القضايا الفكرية التي نتمسك بها ونحن لا ندري أننا نقوم بذلك.
المنع التقليدي على نوعين، في الغرب يتم منع أمور عن الغير ولكن الكل يعلم أنه يمنع والكل يعلم ما يمنع، أي غرضه أن تبقى بعض المجهولات مجهولة ولكن إبقاء مع العلم بأنها مجهولة، في الدول الأخرى يضاف إلى ذلك إبقاء المجهولات مجهولة، فهي تخشى من مجرد الانتقال من حال المجهول المركب إلى حال المجهول، وبالتالي هناك منع قسري وحاد، ولكن ما نراه في معرض الكتاب لا ينطبق على هذا وذاك.
فهنا يوجد علم ولكن في الوقت نفسه يجب أن يبقى مجهولاً وهو منع من نوع جديد،
هل هذا من باب «البراغماتية» من القوة التي تعلم أنها لا تستطيع احتواء الموقف فتتصرف وكأنها قادرة؟ أنا أتصور أن الأمر أبعد من هذا لأننا نراه في علاقتنا مع أطفالنا، نسمح لهم بمخالفة قواعدنا التربوية بشرط ألا يتم الإعلان عن المخالفة. مسموحة بشرط أن يتم التصرف معها وكأنها ممنوعة، بشرط أن تكون مما نجهل أننا نعلم. أيضاً نراه في الآداب العامة، لو أصدر أحد صوتاً مزعجاً، فإن الأدب في أن تتصرف وكأنك لم تسمع، ولو أخطأ أحد فإن المتوقع منه أن يتصرف وكأنه لم يكن يعلم، لذلك أشعر أن الأمر يتعلق بدرجة قدرتنا على مواجهة أنفسنا، فنحن نرى أنفسنا من خلال غيرنا، والمعلوم الذي نجهله يتحول إلى معلوم بمجرد أن يعلن عنه آخر أمامنا، وهذا ما لا نريده.
وإذا صح أن الأمر كذلك فوجود تلك الدائرة لا يعني بالضرورة توسيع دائرة الحريات، بل قد يكون خلق دائرة جديدة من المنع، تبدأ اليوم بالأسلوب البدائي الذي نشاهده في المعرض ولكن تتطور مع الزمن بحيث يتم على الدوام إبقاء ما نعلمه في دائرة ما نجهله، وإذا صح هذا أيضاً فالخطوة الأولى لمواجهة هذا النوع من المنع هي العودة لأنفسنا لنسألها كم نحن نمارس كبت المعلوم، لأن تلك الدائرة ستستمد وجودها منا نحن.
* كاتب سعودي.







