-
اليهودي التائه أنجب فلسطينياً تائهاً... وأخذ فلسطين!الإثنين, 15 مارس 2010
بديهي أن الرواية المكتوبة على خلفية سياسية ساخنة من أصعب المجازفات الفنية، ربما لأنها تتغذى من خبز الحاضر لا من عجين الماضي حيث يلعب الزمن دور التخمير والإنضاج وتتجلى مفاعيل الاحداث وآثارها. لكن سمير اليوسف في «معاهدة حب» كتب السياسة الساخنة في صلب شخصياته: ابراهيم الفلسطيني وروث الاسرائيلية، وبقدر ما فرديتهما مميزة ومختلفة، قصتهما شهادة مدوية على واقع معيش ينم عن صراع مع النفس، له أحياناً ضراوة الصراع مع الآخر، والصراعان لم ينتهيا فصولاً بعد، علماً أن لا إبراهيم ولا روث يرمزان الى نهايته.
الفلسطيني المولود في مخيم لبناني، المهجّر الى لندن، الناقد السينمائي لمجلة فنية عربية، وصاحب تجربة متواضعة في كتابة السيناريو، يقع في حب إسرائيلية مقيمة في بريطانيا تعمل في الترجمة. هذا الفلسطيني لم يصدق يوماً وعود العودة، ولا صدقها ابوه. لم يؤمن بجدوى النشاط الفدائي، ولم يؤمن به من قبله ابوه. ومثل ابيه أيضاً لم يعر عمليات السلام المتدحرجة ابداً الى الهاوية اي اهتمام يذكر. من جهتها، الإسرائيلية روث، تعلق بعض الأمل على عملية السلام، ولا ترى في سقوط والدها في حرب 67 بطولة أو استشهاداً، بل يبقى غيابه بالنسبة اليها خسارة حرمتها أبوّته وحرمتها الحداد عليه، لأن الحداد عيب على «بطل»، وتشتهي، على رغم النكسات، أن تقيم حواراً عقلانياً مع عرب لندن، لعلهم يشكلون مع دعاة سلام اسرائيليين دينامية إيجابية تحشد لقضية السلام.
في المقطع الاول من الرواية تغادر روث الشقة الى مكتب البريد لإرسال طرد الى أختها: «فتحت باب المدخل وانسلّت بهدوء كأنها خائفة ان توقظني».
علينا الانتظار حتى السطور الأخيرة من الرواية قبل الخروج من فخ ذلك المشهد، فمع «انسلالها» من المحور القصصي في الزمن الحاضر ينعقد الخيط الاول للحكاية، ويبدأ نول السرد بحياكة بساط طائر، يأخذ القارئ لا الى فضاء سحري، بل الى هاوية سحيقة، حيث تحتشد الهواجس والكوابيس والاحداث والهلوسات والجرائم، معقودة في حرص وروية، فكأن الحائك أم توضب حقيبة ولد أمامه رحلة طويلة.
بناء على عودة روث أو لا عودتها، وبناء على رغبة ابراهيم في النقيضين، يـتوطد محور الارتياب في كل شيء عبر الفصول اللاحقة. الارتياب في كل حقـيقة، وكل إحساس. بل إن الشكوك التي لا تني تعصف بإبـراهيم هي في النهاية خبز الرواية وشرابها، تتراكم متنقلة من سطر الى سطر، بلا هوادة. وهو على رغم جنوحه اللجوج نحو الوحدة كأنها ملاذه الآمن، وحدته اكثر احتشاداً بالشكوك من حاله لدى وجوده مع الآخرين. في الحالتين تراه مسكوناً باليقين ونقيضه في غضون اللحظة نفسها. يسائل نفسه باستمرار. يناقض نفسه باسـتمرار. يحاول ان يتطهر من نفسه فتغلبه نفسه باستمرار.
ثم ينكسر تحت أثقال نفسه. تؤرقه ابنة عمه التي اختفت في ظروف ستبقى غامضة حتى النهاية تقريباً. يضايقه شبح والده (الموصوف ببراعة فذة) مع انه لا يحبه ولا يتكبد مشقة السفر لحضور مأتمه. وأخيراً يلوح مصرع أخيه الفدائي في اشتباك «أخوي»... بين عناصر المخيم.
يقـول إبراهيم شارحاً مـيله المـبكر الـى العـزلـة: «كنـت بقيت (في المخيم) لو عثرت على مـكان آمن أختبئ فيه. أحب الاختباء. أحبه ليـس فـقط لأنه الـوسيلة الوحيدة لمنعي من الرحيل، بل لأنه يمنحني الفرصة لأكون وحدي. كنت اهـرب مـن الـبيت، من أصدقائي، من المدرسة، وأخـتـبئ سـاعـات وسـاعات شـاعراً بـالاكـتفاء الـذاتي لأنـني نجـحـت فـي ان اكـون وحدي».
القاسم المشترك بين روث وإبراهيم هو هذه الرغبة في الاعتزال. ظروفهما المختلفة في الظاهر ليست في الواقع مختلفة. الحرب هي نفسها على الجهتين، والعيش المهدد بالموت والرحيل هو نفسه أيضاً. والحساسية المسنونة حيال العنف والظلم والحرب تساوت لديهما، فبحث كل منهما، على ضفتي الجحيم نفسه، عن ملجأ في الانكفاء على الذات والاختباء بعيداً من ضوضاء الآخرين. وليس الجدل القائم بينهما حول «القضية» عدائياً. بل في بعض الحالات «الطرية» يبدو ذلك الجدل أقرب الى حوار زوجين مختلفي الآراء ينتميان الى بلد واحد. حتى أن إبراهيم يتعمد غالباً الدفاع عن الجانب الاسرائيلي بحجج منطقية حيناً وواهية احياناً، فيما تتحسس روث المعاناة اليومية المباشرة للفلسطينيين وتتحرق للخروج من مأزق العنف والعداء. غير ان الجمر متوقد تحت الرماد، وكلما تـأزم الـوضع الشـخصي بينهما طار الرماد وبان الجمر.
ربما أصـيب القـارئ بالتبرم، في فضاء روائي ساكن الغيوم كسماء لندن، إلا أنه فضاء مخترق بالتماعات برقية تنذر بالعاصفة. ذلك ان العلاقة بيـن روث وإبـراهـيم يـمكن ان تـتحول في اي لحظة الى ترميز مبطن لاحتمالات العلاقة بين فلسطين وإسرائيل. يناقش الاثنان هذه النقطة غير مرة ولو من دون التوصل الى جواب. هو لا يرى أملاً في شيء، لكنه يجاريها في محاولة جمع الفريقين الى حوار، يفعل ذلك لئلا يبـدو مطبق الانغلاق على نفسه. وهي تكره فيه قتامة انغلاقه.
من السهل جداً أن يرى القارئ العربي في شخصية إبراهيم منتهى الانهزامية، فهو يتخذ مواقفه بناء على السلبيات الفلسطينية ونفوره من خطاب مكرور يجتره رفاقه في سهراتهم كلما اجتمعوا. يرى الفشل العربي فيتحصن خلفه دفاعاً عن مخاوفه وتشوشات نفسه، ويمعن في تعميق تحصيناته من طريق لعبه دور «محامي الشيطان» فيدافع عن العدو، إمعاناً في جلد الذات وخداعها في آن واحد. إلا ان إبراهيم في بعده الحقيقي ليس سوى «نيغاتيف» الصورة للواقع العربي عموماً والفلسطيني خصوصاً. هو النتيجة. المحصلة الخام لستين سنة من الشتات والنكبات. الحصان الذي كبا ولم يصرخ: عائدون! لست أكيداً من ان القارئ الغربي سيرى ما أراه في إبراهيم. في الغرب سيقرأون الألم والمعاناة والدوامة التاريخية المبرحة التي يعيشها الفلسطيني. وليس هذا امراً سيئاً بالضرورة.
في سرد هادئ، متين، موقّع بدقة وبساطة، يستعير سمير اليوسف نمطاً قصصياً من أجواء الحكاية المشرقية، حيث تضفي الاستعادات في مداخل الفصول نكهة أليفة على النص، كأنك تعود الى الباب نفسه في كل زيارة ولو انك ستقرع بصدى الزيارة السابقة. ويأتي التصعيد الدرامي في تدرج وطيد، لكنك تكاد لا تعيره اهتماماً حتى تفاجئك الصدمة في النهاية فتـستوعب كـم كـان القـبطان ممسـكاً بـدفـة الـسفينة منذ البدء.
يبذل سمير اليوسف جهداً مضاعفاً لترك الأسئلة معلقة، لكن الجواب الواضح هنا لا ينتظر النهاية، بل إن بذوره مزروعة في كل سطر من الكتاب: لقد ولّد اليهودي التائه فلسطينياً تائهاً... وأخذ فلسطين.







