-
المريض الباكستانيالإثنين, 15 مارس 2010
تأفف الرجل الباكستاني. طقس بريطانيا لا يطاق. تلازمك الغيوم كظلك. الشتاء طويل ومقيت. البرد لاسع. الشمس دجالة. تعد بالإقامة ثم تتوارى في ارتباك اللص. الضرائب وحش لا يشبع. والغلاء يشبه الضرائب.
بلاد مضجرة فعلاً. تنشغل الشاشات بقصة طفل غرق في النهر. بحكاية عجوز انطفأت وحيدة. بإصرار المثليين على انتزاع كامل حقوقهم. بدعوة نائب زوجته الى غداء على حساب دافع الضرائب.غياب قاتل للإثارة. لتلك الحيوية التي تميز بلداننا. غياب للدم الحار المتوثب. يذهبون الى الانتخابات ويقبلون نتائجها. يهنئ الخاسر الفائز ويتعهد بمحاسبته في البرلمان. لا يتهم الخاسر الرابح بالتزوير. لا يشكك بشرعية النتائج. لا ينزل الى الشارع ويقتلع بلاط الأرصفة ونوافذ المؤسسات. يغادر رئيس الوزراء منصبه ويستعد لكتابة المذكرات. لا يجرؤ جنرال على احتقار الشعب والادعاء انه المنقذ.
بلادنا مختلفة. مثيرة ومشوقة. يتناوب العسكريون والمدنيون على السلطة بالشراهة نفسها. هذا يمتاز بالتسلط. وذاك بالفساد. كثيرون يجمعون المجد من طرفيه. بلاد تعدك دائماً بمفاجآت. انقلاب عسكري. عصيان مدني. عودة المدنيين. أزمات حكومية. أجهزة كالأخطبوط. تبدل الرجل الأول ولا تبدل مطامعها. فاسد عريق يتعهد محاربة الفساد. يحاضر في العفة وينهب بأصابع ذهبية. وأحزاب منخورة بالمتعطشين والمتسلقين. بالعصبيات العائلية أو المذهبية أو الجهوية.
كل سنة يحزم حقائبه ويزعم انه سيغادر. تعب من الغربة. يريد سماع لغته الأصلية. رائحة التراب الأول. الموسيقى التي تتسلل الى حناياه. يريد بلاداً تشبهه. بثقافتها وقيمها ومطبخها. يلوح بالمغادرة ولا يغادر.
يجلس أمام الشاشة. انتحاري انفجر هنا. وانتحاري هناك. خطف ونسف. الجيش يغير. وطالبان ترد. قنبلة في السوق. وأخرى على موكب من مذهب آخر. وثالثة على ثكنة للجيش. يغضب. من أين يأتي نهر الانتحاريين هذا؟ وهل وظيفة المدارس تفخيخ التلاميذ؟ في الفترة الأخيرة يشعر أن باكستان تنزلق نحو الهاوية. رسمت هذه البلاد حياتها وسياستها ضد عدو اسمه الهند. وقعت اليوم في ما هو أخطر.
يتألم الرجل الباكستاني بصوت مرتفع. يقول لمحاوره: هل تعرف ماذا يعني سقوط باكستان في يد طالبان؟ المسألة تعني ببساطة إعادة البلد الى عهد ما قبل الكهرباء. سيعم الظلام المدن والكتب. ستنكفئ البلاد الى عصور سحيقة. سيهرب المستثمرون وستبور المواسم.
قال إن باكستان حائرة. تريد المظلة الأميركية لخوفها من الهند. تريد السلاح الأميركي لكنها تريد طالبان في الوقت نفسه. تريد ورقة داخل الأرض الأفغانية. عادت الورقة الى الداخل وانفجرت. لكن طالبان ليست المشكلة الوحيدة. البلاد مريضة منذ استقلالها. ضاع دمها بين شراهة العسكريين وفساد المدنيين.
الطقس سيء في بريطانيا. لكن علي أن أعترف. إن هذه البلاد تعاملني أفضل مما أعامل في بلدي. لا أحد يهددني ولا أحد يحتقرني. حريتي مصانة. وكرامتي يحرسها القانون. لا يعنفني الشرطي بلا سبب. ولا يجرؤ على تزوير إفادتي. لا أخاف على أطفالي من حرب أهلية. ولا أرغم على النزوح باستمرار بسبب الانتفاضات المتواصلة.
كلما حزمت حقائبي أعود وأغير رأيي. أشعر أن وطني تحول مصيدة لأبنائه. وأخاف أن أغامر بما تبقى من العمر. وبالأولاد الذين اعتادوا قبول الآخر واحترامه. أفكر وأتمزق. نذهب الى الغربة وتذهب بلداننا الى الهاوية. نلوح بالعودة ولا نعود. أشعر أنني مريض. أشعر أن بلادي مريضة.
سمعت قصة الرجل الباكستاني وتأثرت. من حسن الحظ أنني من بلد مستقر. القانون فيه فوق الجميع. ولا تفوح فيه رائحة الحروب الأهلية. ولا مكان فيه للفاسدين والمتسلقين والسائرين على جباههم. الجنرالات عندنا لا يحبون قصر الرئاسة. والمدنيون يؤتمنون على أموال الناس ومصائرهم. ثم أن الوراثة السياسية غير واردة. لا أحد ينصب نجله عنوة. ولا أحد يعاقب البلاد بصهره. الكفاءة هي المعيار الوحيد. إنها بلاد رائعة تستحق أن يحجز المرء قبراً فيها.
تعليقات
المريض الباكستاني
اعجنى المقال جدا فهو يحكى حقيقة الغربة فى بلد الضباب لكننى لم اتقبل اخر الكلام عندما يتحدث الكاتب عن البلد الذى جاء منه وهل هو لبنان "من حسن الحظ أنني من بلد مستقر. القانون فيه فوق الجميع. ولا تفوح فيه رائحة الحروب الأهلية. ولا مكان فيه للفاسدين والمتسلقين والسائرين على جباههم. الجنرالات عندنا لا يحبون قصر الرئاسة. والمدنيون يؤتمنون على أموال الناس ومصائرهم. ثم أن الوراثة السياسية غير واردة. لا أحد ينصب نجله عنوة. ولا أحد يعاقب البلاد بصهره. الكفاءة هي المعيار الوحيد. إنها بلاد رائعة تستحق أن يحجز المرء قبراً فيها"، فقلت فى نفسي ان كانت لبنان المعنية بهذا الوصف فهذا عين المراوغة
المريض الباكستاني
جزيل الشكر على المقال المعبر عن حالي و حال اخواني، المريض الباكستاني هو نفسه المريض اليمني و العراقي، و الاريتري والصومالي والافغاني والكشميري و التايلندي المسلم. على ما أعتقد ان المقال يعم المسلمين و يخصهم اجمعين و الله اعلم. (وجهة نظر).
شكرا عزيزي غسان
المريض الباكستاني
التحول والآعتياد علي حياة المهجر يتجذر عند المهاجر بعد آربع سنوات عندما يستقر في بلد معين حسب تقديرات علماء النفس الاجتماعي، لكن الفكرة تركز عند السيد شربل في مقال اليوم على التفاوت الكبير علي رغم سلبيات حياة الهجرة والاغتراب وقساوة الحياة هناك، إلا انها تبقى آهون من بلد النشأة، كما قدم صورة نموذجيّة تبيِّن حجم التباين بين طموح المواطن المغترب والواقع داخل البلاد التي تسير خارج النظم المدنيّة الحديثة لانها تآسست علي غير ذلك ، في مقاربة متساوقة مع موطن الكاتب لانهُ دعى الى عودة المواطن اللبناني حين موته الي الوطن مختزل لنا جماليات الحياة هناك في نقطة النهاية، إنهُ تهكم نخبوي ، دمت لنا.
المريض الباكستاني
I liked very much your article, you skillfully articulated the feelings of many of expats living in the west.
المريض الباكستاني
سلامتك يا أخ غسان من المرض والموت ...مقال رائع كالعادة مع نهاية خبيثة
إنها بلاد رائعة تستحق أن يحجز المرء قبراً فيها
مادام في لندن العسل فلماذا يمرض إذن؟
لاشك عندي فيما ذكره الكاتب ,فشتان شتان مابين بلد الموطن في الشرق العربي والإسلامي وما بين بلد غربته في الغرب الأوروربي والأمريكي.
غير أن الشوق والحنين للعودة للوطن الأم ليست من باب المقارنة والتفضيل, كما أن عسل التغريب فيه من السم الكثير, أليست الغربة كربة في كثير من الأحيان أيضا؟.
أيمن الدالاتي _ الوطن العربي








معجم البلاد العربيه في سطور
انها ولاشك معجم البلاد العربيه بسطور واستحالة فهم الواقع المرير غير بدفع الثمن الباهض \الغربه \ للمرات عديده تمر الغمامه السوداء للتذكرنا بمده البؤس القاتم على صدورنا وشعار حربنا بداخلنا انتهاك كل ما يذكرونه بمعنى الانسانيه \قاتلنا وحاربنا لاجل النفوس المريضه وتناسينا كل مايتعلق بمعنى ومصدقية وجودنا على الارض \ الانسانيه \ لعل جلد الذات يهدينا \ مخلص وهبه\ دالية الكرمل