-
وجهة نظر اقتصادية - غياب المسؤولية الاجتماعية للشركات يعرقل التنمية المستدامةالثلاثاء, 16 مارس 2010
يفضل الناس عموماً في الدول العربية، العمل لدى مؤسسات القطاع العام على رغم ان أجورها من حيث المبدأ تقل عن مثيلتها لدى مؤسسات وشركات القطاع الخاص. ولا يعزو هؤلاء تفضيلهم العمل في الأولى إلى قصر فترات الدوام وحالات التسيب وسهولة العمل فيها فقط، بل أيضاً إلى الضمانات والتأمينات الاجتماعية التي تقدمها لعامليها. وبالعكس فإن شركات القطاع الخاص لا سيما الصغيرة والمتوسطة منها نادراً ما تقدم مثل هذه الضمانات التي ليست موضع اهتمام وتخطيط يُذكر بالنسبة لها.
تقدم مؤسسات القطاع العام الضمانات الاجتماعية للعاملين لديها في إطار قوانين حكومية تحدد مسؤوليات اجتماعية، مثل عدم تشغيل الأطفال وتقديم تأمينات صحية جزئية وتقاعدية ودعم إقامة حضانات للأطفال وأماكن لممارسة أنشطة رياضية. أما الشركات والمؤسسات الخاصة في الدول العربية باستثناء عدد محدود منها فلا تبدي قدراً ملموساً إزاء تحمل هذه المسؤولية، وحتى لو قامت بذلك فإنها لا ترى فيها أكثر من تقديم أعمال خيرية محدودة وموقتة المفعول. ويروي خبراء ألمان واكبوا مشاريع عربية تحاول الاستفادة من التجربة الألمانية على صعيد تحمل مسؤوليات اجتماعية في مجال التدريب المهني، كيف أن معظم مسؤولي شركات خاصة متوسطة في الإمارات وقطر والسعودية وسورية ومصر، ينظرون إلى تدريب الشباب لديهم على أنه عبء أكثر منه فرصة لفتح آفاق إبداع جديدة لشركاتهم بخاصة وللمجتمع في شكل عام.
يحدد الاتفاق العالمي للأمم المتحدة المسؤولية الاجتماعية للشركات على أنها التزام طوعي يوفق بين نشاطها الاقتصادي وهذه المسؤولية التي تعني بحسب الاتفاق، عدم انتهاك حقوق الإنسان في العمل والاستغناء عن تشغيل الأطفال وعن الاستغلال، والحرص على البيئة ومكافحة أشكال الفساد. وانضم إلى الاتفاق حتى الآن نحو 4500 شركة ومؤسسة من 120 دولة بينها مؤسسات وشركات مصر والمغرب وسوريا والبحرين والكويت وتونس ودول عربية أخرى. ومن الملاحظ أن المؤسسات العربية المنضمة إلى الاتفاق محدودة العدد، كما أنها في غالبيتها من اتحادات وهيئات أمثال غرف التجارة والصناعة وجمعيات المجتمع المدني. أما الشركات التي تقوم بأنشطة اقتصادية مباشرة فعددها محدود للغاية. وتشير معطيات وطنية ودولية إلى وجود شركات خاصة تتحمل مسؤولياتها الاجتماعية على نطاق واسع في الدول العربية، غير أن الغالبية الساحقة من مؤسسات القطاع الخاص، لا سيما الصغيرة والمتوسطة منها، ما تزال بعيدة عن تحمل هذه المسؤولية. ويبرز هذا التقصير على سبيل المثال في تشغيل الأطفال بأجور زهيدة وعدم المساهمة في توفير فرص لتعليمهم المدرسي وتأهيلهم المهني. كما يبرز في عدم المساهمة بقوة في توفير حضانات للأطفال تساعد العاملين على الجمع بين المسؤوليات العائلية والوظيفية.
يستمر هذا الوضع في وقت تشهد الدول العربية منذ أكثر من عقدين، إصلاحات اقتصادية قادت إلى تعزيز دور القطاع الخاص وتراجع دور الدولة في عملية التنمية، ما ساعد على توسيع نطاق عمله في قطاعات جديدة من خلال آلاف الشركات الجديدة التي خلقت عشرات الآلاف من فرص العمل. وقد أدى تراجع دور الدولة في الاقتصاد إلى تراجع في دورها الاجتماعي، في وقت لم يسدّ القطاع الخاص الثغرة الناتجة عن ذلك. ومن تبعات هذا الوضع، اتساع دائرة الفقر والبطالة لا سيما في صفوف الشباب لأسباب أبرزها تدني مستوى تعليمهم وتدريبهم المهني. وهو وضع لا يجوز السماح باستمراره لأنه يحرم حتى شركات القطاع الخاص ذاتها من كفاءات المستقبل اللازمة لاستمرارها وتطورها المستدام.
وفي إشارة إلى الوعي المتزايد بأهمية المسؤولية الاجتماعية للشركات، شهد العالم العربي خلال السنوات الأخيرة نقاشات عدة حول أهمية ذلك على مختلف الأصعدة. غير أن الاهتمام بهذه المسؤولية لم يتجاوز حدود النقاش حول وضع خطط وطنية يشارك فيها الفاعلون الأساسيون، في مقدمهم الجهات الحكومية المعنية والغرف الاقتصادية ورجال الأعمال ومنظمات المجتمع المدني كما يرى الخبير الاقتصادي الألماني من أصل عراقي ناجح العبيدي. ويضيف الخبير أن إنجاح هه الخطط مرتبط بإصدار قوانين وتشريعات ووضع معايير وممارسة آليات رقابية ورادعة تدعم المسؤولية الاجتماعية للشركات، على سبيل المثال من خلال منح تسهيلات ضريبية للتبرعات ذات الأغراض الثقافية والتعليمية والرياضية كما هي الحال في ألمانيا.
أظهرت خبرات دول كثيرة مثل ألمانيا واليابان أن أنجح الشركات هي تلك التي لا تقصر أهدافها فقط على جني الأرباح، بل أيضاً على قيامها بأنشطة اجتماعية مواكبة تبني لها سمعة حسنة في أوساط الرأي العام وتساعدها في الحصول على الكوادر الشابة الخلاقة والمبدعة اللازمة لاستمرارها وتطورها.
* إعلامي وخبير اقتصادي







