-
أجبني: من أنا؟الثلاثاء, 16 مارس 2010
يمثل كيان الجماعة بالنسبة إلى الإرهابي بديلاً آمناً عن الأسرة، لتلبيتها حاجاته الذهنية والنفسية، متعلقة بمفاهيم كالقبول والدفء والتضامن، ومنها تتكون قناعته الداخلية بأن هذه الجماعة لها عليه حق الولاء والطاعة، فإذا أقررنا على سبيل المثال، أن الإرهابيين عادة ما يكونون من فئة الطلاب، أو حديثي التخرج، فما الصفات الغالبة عليهم حتى جعلت منهم إرهابيين؟ فليس كل الطلاب أو الخريجين إرهابيين، وليس كل الأبناء متمردين!
وجد مع البحث، أن التفكك الأسري هو أولى بذور تكوين الشخصية الإرهابية لدى صاحبها، فمن الخطير جداً أن تتشوه صورة الأب في نظر أبنائه، لأنه المرادف الأول للسلطة، ومع تشتت حياة الأبناء نتيجة للمعاناة والصراعات التي عاشوها، فإن الاحتمال الأكبر أن يتحولوا بغضبهم إلى شحنة أحقاد متحركة مصوّبة تجاه والديهم (السلطة الأولى) والمجتمع (السلطة التالية) أو الحكومة (كمحاولة لقهر الخوف القديم من مهاجمة السلطة الأولى)، فيتشكل فاصل مهم في حياة الشاب تبدأ معه مراحل اضطراب الهوية لديه، ذلك أن التطور الطبيعي التدرجي لهوية الإنسان أمر لا غنى عنه لتماسكه المستقبلي واستمراره ككينونة تستطيع أن تعيش وتتفاعل بشكل إيجابي مع محيطها الواسع، ومن هنا اعتبرت مجموعة القيم والمبادئ والتقاليد التي تسود أفراد الأسرة بمثابة العمود الفقري الذي يؤلف شخصية الفرد واختلاف نظرته للسلوك السوي وغير السوي، فالمستوى الفكري والاجتماعي والاقتصادي للوالدين يلعب دوره في توجيه الابن وتجنيبه الانزلاق إلى مهاوي الجريمة أو العكس.
ولا يقف التفكك الأسري كعامل وحيد في منظومة الأسباب التي تدفع إلى العنف، إذ تؤكد الدراسات الميدانية أن كثيراً من الإرهابيين ينحدرون من أسر تتعامل مع أبنائها برفع سقف توقعاتها التي تنتظرها منهم كي يكونوا من مميزي المجتمع، فإذا لم تتوافر لدى هؤلاء الأبناء الإمكانات الشخصية المؤهلة للتفوق المنتظر، وجدتهم يفضلون أن يكونوا أشخاصاً سيئين على أن يصنفوا كمهملين أو فاشلين في نظر دائرتهم، فيندفعون تجاه التوحد مع أسوأ الاختيارات كرد فعل ونوع من العقاب لمن دفع بهم إلى هذا المصير ولم يتقبلهم بما فيهم، وكما يكون الإخفاق الدراسي أو العملي مرحلة انتقالية في حياة المرء تتجه به نحو الانحراف، كذلك الأمر مع عدم القدرة على التكيف مع الوسط الذي غالباً ما ينتهي بالعجز عن تكوين العلاقات مع الآخرين، ومنه إلى أحضان التنظيمات الإرهابية التي تتلقفه باتحاد جماعي فوري، من دون أن تغفل معالجة أي إحساس لديه بالذنب بالتبرير والإقناع بظلم الواقع، وعدالة القضية التي يحارب الشجاع من أجلها، فكيف إذا كانت الجنة (كما يتم إقناعه) في انتظاره إن هو اجتهد أكثر وحمل السلاح وقاتل فقتل؟
الخلل في تكوين الهوية يصاحبه عدم ثقة مبكرة قد تدفع بصاحبها إلى الرغبة في السيطرة والتدمير، والاستهانة بمصادر المتعة والسعادة والاستقرار، وهذه المسألة بالتحديد إنما تظهر عند عجز المجتمع عن تزويد الفرد بتأكيدات الأمان النفسي والاجتماعي، ولا تطفو على السطح إلا في ظروفه الصعبة، خصوصاً في فترة المراهقة، عندما تكون أزمة الإنسان هي البحث عن هوية ثابتة له، فلا يجدها، ويحل محلها تشويش شديد ينتهي إلى ما يُعرف بالهوية السلبية، تتحول إلى عيون صاحبها ينظر من خلالها إلى نفسه والآخرين.







