-
الكويت التي يغتالون دورها و... تجارتهاالاربعاء, 17 مارس 2010
في الوقت الذي تنشغل فيه الكويت حالياً بتصعيد جديد، بين بعض أعضاء مجلس الأمة (البرلمان) والحكومة، تمكّن البعض من صنع قضية إشكاليّة جديدة، وتمريرها الى البرلمان والى ساحة الشأن العام الوطني. تمثلت هذه القضيّة المفتعلة، بالمطالبة بوقف عمل غرفة تجارة وصناعة الكويت، ومن ثم تغيير أنظمتها وقانونها، وجعلها تابعة للحكومة ممثلة بوزير التجارة والاقتصاد، بحجّة عدم دستوريّة وضعها القانوني. هذا، في سابقة تعيد الأذهان الى نظريات التأميم والاستملاك الآتية من تجارب الحقب الاشتراكية، ناصريّة وبعثيّة وغيرها. وهو ما يجعل السؤال عريضاً ومُلحّاً عن الغرض من تأميم «الغرفة».
فغرفة التجارة التي تأسست في 1959 (قبل الدستور بثلاث سنوات)، إحدى أقدم مؤسسات المجتمع المدني الصلبة والفاعلة في الكويت، تاريخيّاً وحاليّاً. وكانت تشكلت من تجمع كبار طبقة التجّار التقليديين، الذين شكلوا في ذلك العهد، نخبة المجتمع الكويتي وقادة تأسيس الدولة، والذين جعلوا الغرفة بمثابة مؤسسة وطنية، لم تكتفِ بتنظيم العمل التجاري الذي يعد واجهة الاقتصاد الكويتي وأبرز وجوهه، بل تمكنوا من الحضور الاجتماعي الفاعل، عبر قطع الطريق على محاولات الفساد الإداري، وتقديم الاستشارة والنُصح للحكومات المتعاقبة، سواء في أوقات الرخاء الاقتصادي أو خلال الأزمات، وأشهرها أزمة سوق المناخ (البورصة) في 1982. بهذا، تحولت الغرفة الى ما يشبه «الضمير» الوطني، وهو ما تم ضمن مسار تاريخي حافل بالتجربة والعمل.
فالوعي الذي امتازت به الغرفة ودورها الرقابي أيضاً، أدّيا الى تصدّر رجالاتها واجهة العمل العام، مشكّلين ما أسماه البعض ظاهرة «التجّار الوطنيين»، الذين كوّنوا مع عدد من النوّاب، نواة العمل السياسي في البلاد. وقد ساهم رجالات الغرفة، الى جانب غيرهم من الوطنيين، في تجنيب الدولة والمجتمع آثار وارتدادات ظروف سياسية عربية، صعبة ومفصليّة، ابتداء من الضغوط التي مارسوها لإنهاء احتكارات دولة الانتداب البريطاني لإدارة البلاد، وتأسيس أوّل بنك محلّي في 1952، هو بنك الكويت الوطني. مروراً بصعود المدّ القومي العربي، حيث كان لوجودهم كقوميين عرب دور هام في الدفاع عن كيانهم السياسي إثر استقلالهم وتهديد عراق عبدالكريم قاسم بضمّه. كما ساهم أولئك الرجال في الحفاظ على استقرار البلاد إثر قيام جمهورية الثورة الإسلامية في ايران ذات الوجه الشيعي، واندلاع الحرب العراقية الإيرانية، وذلك عبر تجنيب العمل التجاري والاقتصادي، الدخول في الاستقطاب المذهبي، واللعب على الغرائز الطائفية. هنا تبرز قيمة الغرفة، عبر قراراتها وأنظمتها الهادئة والحكيمة، وعبر ضمانها حماية مصالح جميع فئات المجتمع من التجّار، من مواطنين أو مقيمين، حتى لو لم يتمثّلوا في مجلس إدارتها.
والحال، أن مكانة غرفة التجارة هذه، والدعوة الى إهدارها وهدمها، هي ما يضع المجتمع والدولة أمام اختبار وطني جديد. فأعداء الغرفة، يروّجون في أوساطهم الانتخابية لمعاداتها، ويهيّجون الناس عليها، بتصويرها على أنها رأس الاحتكار المالي المتحكّم بسوق العمل والسيولة النقديّة في البلاد، وأنها ترعى أخطبوطات الرأسماليين. ويزداد هذا التهويل، الذي يتستّر، مع الأسف بستار المؤسسة البرلمانية وميّزة تمثيل الأمّة، الى درجة تُصوّر فيها غرفة التجارة، وكأنها دولة ضمن الدولة، أو حزب تسلّطي، يرعى مصالح طبقة معيّنة من الناس دون سواها. الا أن العارف في الشأن الكويتي، يدرك كيف وصل حال مجلس الأمّة (البرلمان)، والعمل البرلماني، الى سويّة متدنّية، عبر تجمعات واصطفافات نيابيّة، هي الأحقّ بتشبيهها بدوَل داخل الدولة، اذ تعرقل أعمال التنمية والتشريع، وتنشغل وتُشغل الأمّة بتوافه الأمور (حجاب النائبات وملابسهنّ، مشاركة فريق نسائي في الألعاب الأولمبية).
هذا السلوك البرلماني، القصير النظر، أدى الى تغييب الحقائق القانونية والتاريخية عن الشعب في قضية غرفة التجارة، فهم طالبوا بتعليق عمل الغرفة بمجلس ادارتها الحالي، وهو مطلب غير قانوني وغير دستوري، اذ لا يحق ذلك، لا لمجلس الأمة أو الحكومة، الا في حال ذهبت القضية الى المحكمة الدستورية وأعطت حكماً فيها، كما تؤكد أكثر من دراسة قانونية نشرتها الصحافة الكويتية. كما أن القانون الذي اقترحه خمسة نواب من أعداء الغرفة، ليحل مكان القانون الحالي، يؤكد استهدافها، ففي أحد مواده يقترح نظاماً جديداً لانتخاب مجلس إدارتها يؤثر على تشكيلتها وقواها الحالية، ما يسمح لطبقة الأثرياء الجدد والاستغلاليين الدخول اليها، ممهّدين الطريق لإزاحة طبقة التجّار الوطنيين، التي ترأّست الغرفة منذ تأسيسها. ويشي القانون المقترح عن تلك النوايا والأهداف، في المادة السادسة منه حيث: «يحظر على الغرفة أن تتدخل في العمل السياسي أو أن تقدم أي مساعدة أو دعم لأي جهة سياسية داخلية أو خارجية بصورة مباشرة أو غير مباشرة».
والكويت، اذ تواجه حالاً كهذه، أشبه بمحاولة اغتيال أو تصفية، بهدف القضاء على مؤسسة اجتماعية واقتصادية كغرفة التجارة، أي القضاء على فكرة تجمع بشري واقتصادي كان أساساً من أساسات بناء الدولة. وهذا واقع رديء وسيئ، تعيشه الكويت، حيث يستمر اللا عقل بفرض نفسه على تكوينات المجتمع ويحارب مؤسساته، ومنها غرفة التجارة، التي، وبتعابير السوق والاقتصاد، هي صناعة عربية حقيقية، فاخرة ونادرة. فلنتركها تزدهر وتنتشر.
* صحافي سوري.







