• 1328809317422709700.jpg
 
بيروت
°22 م
°21 م
مشمس
لندن
°21 م
°11 م
زخات مطر
الرياض
°40 م
°26 م
مشمس
 
Dow Jones Industr(10340.7)
NASDAQ Composite(2915.86)
FTSE 100(5875.93)
^CASE30(0)
USD to EUR(0.7539)
USD to GBP(0.6325)
أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط
  • الانتخابات العراقية تكشف بداية تحول بنيوي في التفكير السياسي
    الاربعاء, 17 مارس 2010
    حميد الكفائي *

    نظرة متفحصة لتوجهات الناخبين العراقيين في الانتخابات الأخيرة تكشف أن هناك تحولاً بنيوياً قد حصل في التفكير السياسي العراقي خلال السنوات الخمس الأخيرة. وقد أثر هذا التحول في تفكير معظم المشاركين في العملية السياسية، بمن فيهم القادة السياسيون، الذين أحسن كثيرون منهم قراءة توجهات الناخب وحاولوا اجتذابه عبر إجراء تغييرات، حقيقية أو ظاهرية، على خطابهم السياسي، بل وحتى أسماء أحزابهم وقوائمهم الانتخابية. الإسلاميون اتخذوا من مفردات الوطن ودولة القانون وخدمة الشعب شعارات لهم، بعدما كانوا يسعون إلى إقامة دولة الإمامة أو الخلافة.

    العلمانيون أيضاً أدركوا أن عليهم النزول إلى الشارع والاختلاط بالناس وإقناعها ببرامجهم وتوجهاتهم وتبيان عيوب خصومهم. أما من رفعوا شعار «مقاومة المحتل وإزالة آثاره»، وأن «كل ما بُني على باطل فهو باطل»، فقد أدركوا أيضاً عدم جدوى هذا الخطاب، خصوصاً أن المحتل نفسه يسعى جاهداً للمغادرة، وأن مصلحتهم تقتضي المشاركة في العملية السياسية بقوة ومحاولة التأثير فيها، على رغم وجود عقبات أخرى يجب تذليلها قبل انخراطهم.

    التوجه العام يشير إلى ابتعاد الناخب العراقي من الأحزاب الدينية، والدينية الطائفية في شكل خاص، وقد رأينا انحساراً في التأييد الشعبي لهذه الأحزاب على طرفي الانقسام المذهبي. فقد خسر «الحزب الإسلامي» (السنّي) معظم قياداته وكوادره وقواعده التي تمكنت بجرأة من أن تعبر إلى الضفة الأخرى وتنضم إلى القائمة العراقية الوطنية من دون المرور بفترة «نقاهة سياسية»، ما يعني أن السنوات الأربع الماضية، بما حملته من أخطاء كبيرة ومشاكل كثيرة، كانت كافية لجعلهم يدركون أن خير توجه لخدمة العراق ككل والطوائف جميعها والدين كله هو التوجه الوطني العلماني الذي تمثله «القائمة العراقية الوطنية» التي ثبتت على خطها السياسي منذ البداية ولم تستهوِها الفورات الطائفية والدينية. هؤلاء المنتقلون في الحقيقة اختصروا الزمن ووفروا الجهد بانتقالهم هذا، الذي ينم عن إدراك وإحساس عميقين بالمصلحة الوطنية.

    وفي الجانب الآخر، انكمش تأييد «الائتلاف الوطني العراقي» (الشيعي)، على رغم تزايد عدد القوى والشخصيات المنضوية تحته، ليتراجع إلى المرتبة الثالثة بعدما كان القائمة الأكبر منذ عام 2005. وعلى رغم استقطاب الائتلاف بعض الشخصيات والقوى العلمانية الهامشية الباحثة عن دور، فإنه بقي شيعياً وأخذ يلعب على التناقضات القانونية والدستورية والسياسية لإقصاء خصومه، كما حصل في استخدامه هيئة المساءلة والعدالة قبيل الانتخابات. وقد غادر ناخبون وسياسيون كثيرون هذه القائمة إلى «دولة القانون» التي نزعت عنها الصبغة الإسلامية الطائفية وحاولت أن تظهر بمظهر علماني مدني عصري، على رغم أن قيادات هذه القائمة لا تزال إسلاموية أيديولوجية متمسكة بأفكارها السابقة ولم تعلن عن أي تغير حقيقي فيها، ما يعني أنها ربما أجرت تغييراً مرحلياً (تكتيكياً) على خطابها السياسي كي يلائم المرحلة والمزاج العام، ولم تتحول تحولاً حقيقياً نحو الإيمان بالدولة المدنية العصرية الجامعة والراعية لكل الطوائف والأعراق والأديان والتوجهات.

    لقد حقق حزب الدعوة الإسلامية انتشاراً سياسياً كبيراً عبر هذه القائمة التي صوّت لها كثيرون بحلّتها العلمانية المدنية الجديدة، حتى من اليساريين السابقين، مفضلينها على قوائم أخرى أكثر وضوحاً في توجهاتها وأقرب إليهم في طروحاتها.

    لقد أغفل هؤلاء وغيرهم أن ما صوتوا له هو مجرد «حُلّة» جديدة تفتقر إلى الالتزام العميق بأسس الدولة المدنية التي تقوم على احترام الحريات الشخصية وعدم إقحام الدين والمذهب في الشؤون العامة. كما أغفلوا أو تغافلوا ما تقوم به الإدارات المحلية لهذه القائمة من تضييق على الحريات الشخصية والعامة وتكريس للمذهبية وفرض للدين في كل مناحي الحياة.

    وما إغلاق النوادي ومحال بيع المشروبات الكحولية تحت حجج واهية وتغيير المناهج الدراسية ومحاولات فصل الجنسين في الأماكن والدوائر العامة وملاحقة غير الصائمين في رمضان إلا جزء يسير من حملتها المنظمة لفرض أيديولوجيتها الدينية على المجتمع ككل. المطلوب هو تحول جوهري نحو الأحزاب المدنية غير الأيديولوجية التي لا تميز بين الناس على أسس دينية أو مذهبية، بل تسعى لخدمة الإنسان مهما كان توجهه العقائدي أو السياسي، والانتقال به إلى المستقبل بكل ما يحمله من طموحات، لا تقييده بالماضي وتحديده بأطر التاريخ بكل مآسيه وأحزانه.

    كما شهد المشهد السياسي أيضاً صدوداً وابتعاداً من الطائفية السياسية، إذ صوتت غالبية السنّة لقائمتين يقودانهما زعيمان شيعيان علمانيان هما إياد علاوي وجواد البولاني، وهذا تحول عميق في التفكير السياسي ومغادرة حقيقية للتقوقع الطائفي الذي فرضته الظروف السابقة. فمصلحة الطائفة والقومية لا تتحقق دائماً عبر شخوص طائفية أو قومية، بل عبر أطر سياسية محايدة وعادلة تنصف الجميع. وفي الوقت نفسه، فإن هاتين القائمتين قد حصدتا معظم الأصوات المؤمنة بدولة مدنية ديموقراطية عصرية في محافظات العراق الجنوبية، وكم تمنى مؤيدو الدولة العصرية أن تكون هناك قائمة واحدة تمثلهم كي لا تتشتت الأصوات والجهود، والأمل لا يزال معقوداً على تجاوز قادة هاتين القائمتين وقوائم أخرى خلافاتهم والعبور نحو المستقبل بقائمة واحدة تلبي طموحات مؤيديهم والعراقيين جميعاً. وللمرة الأولى تبرز القائمة العراقية الوطنية بقيادة الدكتور إياد علاوي كمنافس قوي لتشكيل الحكومة المقبلة على رغم أنها لا تمتلك الإمكانات الإعلامية أو الإعلانية التي توافرت للقوائم المنافسة. فقد صوّت لها الناخبون عن قناعة راسخة بأنها تلبي طموحاتهم وتحل مشكلاتهم وتخلصهم من تسييس الدين وهيمنة الأحزاب الأيديولوجية. ولو كانت القائمة قد بذلت جهوداً أكبر في مجال الإعلام والإعلان والإقناع، لكانت حصدت المزيد من الأصوات والمقاعد البرلمانية.

    كما برز الدكتور إياد علاوي شخصية وطنية جامعة للطوائف والقوميات والتوجهات المختلفة، وللمرة الأولى منذ التغيير تبرز شخصية وطنية جامعة تتفق عليها أكثر الأحزاب والقوائم والشخصيات المختلفة وتعترف بقدرتها على قيادة العراق نحو المستقبل ومغادرة أخطاء الماضي الحديث والبعيد كلياً.

    يمكن القول إن كلاً من السيدين علاوي والمالكي قد حققا تقدماً في الانتخابات الأخيرة، لكنّ هناك فرقاً بينهما. الأول حصل على التأييد لأن الناخب أدرك صحة خطه السياسي وصواب توجهه وثبات سياساته التي نادى بها مذ كان في المعارضة ثم رئاسة الوزراء ثم المعارضة البرلمانية مرة أخرى، ومعظم الذين انتقلوا إلى صفه، فعلوا ذلك عن قناعة بأنه الأفضل للعراق، خصوصاً بعدما جربوا سياسات خصومه الفاشلة والمؤجِّجة للتوتر الطائفي والمناطقي. أما الثاني فقد حصل على التأييد لأنه دعا الناخبين إلى التصويت لقائمة وطنية مدنية جديدة تختلف عن قائمته الطائفية السابقة ووعد بإجراء تغيير في توجهه وتفكيره السياسي والابتعاد من التقوقع الطائفي الذي كان أسيراً له.

    ناخبو الطرفين ينتظرون من الأول مزيداً من الجهود باتجاه تعزيز التحول البنيوي الذي تحقق، وأن يسعى الى تشكيل حكومة وطنية قادرة على الانتقال بالعراق إلى مرحلة المدنية والعصرنة، ومن الثاني الثبات على وعوده الانتخابية بإجراء التحول الحقيقي في توجهاته الفكرية والسياسية. إن لم يجرِ السيد المالكي هذا التحول، فإن تأييده سينحسر كما انحسر تأييد حلفائه السابقين.

    الخطوط السياسية أصبحت أكثر وضوحاً، لكن كثيرين لا يزالون في منتصف الطريق ولم يحدِثوا النقلة المبدئية المطلوبة في التفكير كي يطابِقوا بين ما يطمحون إليه من تغيير وما يتطلبه ذلك من عمل وتضحيات على أرض الواقع.

    * كاتب عراقي.

أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط

اضف تعليق

بريدك الإلكتروني لن يظهر علناً احتراماً للخصوصية