-
البنك الدولي: «الفساد الناعم» في أفريقيا يؤثّر في الفقراء وعواقبه طويلة الأجلالخميس, 18 مارس 2010
يعتبرُ «الفساد الناعم» - أي إخفاق الموظفين العموميين في توريد السلع أو الخدمات التي دفعت الحكومات ثمنها - شائعاً ومنتشراً في جميع أنحاء أفريقيا، وفقاً لتقرير جديد أصدره البنك الدولي، وله تأثير غير متناسب على الفقراء، وعواقب طويلة الأمد على عملية التنمية.
ويشير التقرير المعنون «مؤشرات التنمية في أفريقيا 2010» (ينشرُ ملخصاً عنه الموقع الإلكتروني للبنك الدولي)، إلى أن معظم الدراسات المعنية بالفساد تركز على تقديم الرشى المالية إلى ذوي المناصب السياسية النافذة، أو حصول الموظفين العموميين على عمولات غير قانونية. ويركز التقرير الجديد على الطريقة التي يؤدي «الفساد الناعم» من خلالها إلى زيادة التوقعات السلبية المرتبطة بأنظمة تقديم الخدمات، ما يدفع الأسر إلى تجاهل استخدام هذه الأنظمة برمتها. ووفقاً للتقرير، فإن الفساد الناعم، وإن كان أقل حجماً محسوباً بالقيمة النقدية، يلحق ضرراً بالغاً بالفقراء الأكثر ضعفاً، ممن يعتمدون أكثر من غيرهم على الخدمات الحكومية والأنظمة العامة لتلبية احتياجاتهم الأساسية.
وفي معرض حديثه عن التقرير، قال كبير خبراء مكتب منطقة أفريقيا في البنك الدولي شانتا ديفاراجان: «لا يتصدّر الفساد الناعم العناوين الرئيسة في وسائل الإعلام، كما الفضائح المتعلقة بالرشى، لكن تأثيره على المجتمعات لا يقل ضرراً. ولا شك في أن التصدي له يتطلب مزيجاً من القيادة القوية والملتزمة والسياسات والمؤسسات على المستوى القطاعي، والأهم زيادة مستوى المساءلة والمشاركة من قبل المواطنين».
ويورد التقرير بيانات وبحوثاً حول ممارسات الفساد الناعم في قطاعات الصحة والتعليم والزراعة. ويشمل على سبيل المثال: وجود 20 في المئة من معلمي المدارس الابتدائية في المناطق الريفية غرب كينيا غير متواجدين في مراكزهم أثناء ساعات العمل الرسمية، في حين أفاد استقصاء بأن معدلات تغيب المعلمين في أوغندا 27 و20 في المئة على التوالي.
وكشفت دراسة أن نسبة المغذيات في 43 في المئة من الأسمدة التي بيعت في بلدان غرب أفريقيا (تسعينيات القرن العشرين) وأجرى تحليلها، كانت أدنى من المستوى الصحيح نتيجة لضعف الضوابط المطبقة على مستوى المنتجين وتجار الجملة، ما يعني أنها كانت عديمة الفعالية والجدوى في شكل أساسي.
وأشارت دراسات إلى أن أكثر من 50 في المئة من الأدوية والعقاقير الطبية المباعة في صيدليات نيجيريا خلال تسعينيات القرن الماضي كانت مزيفة.
وأشار مسحٌ يرتكز الى الملاحظة المباشرة لمقدمي خدمات الرعاية الصحية في أوغندا إلى أن معدل التغيب يراوح بين 32 و37 في المئة.
ويوضح هذا التقرير أن أحد أكثر الجوانب المدمرة للفساد الناعم يكمن في الآثار التي قد تنجم عنه في المدى الطويل. فالطفل الذي يُحرم من التربية والتعليم على السلوك القويم بسبب تغيب المعلمين يعاني في مرحلة النضج من ضعف مهاراته الإدراكية ومستوى تحصيله العلمي. كما أن عدم تأمين الأدوية والعقاقير الطبية والأطباء يعني بدوره وقوع حالات وفاة غير مرغوبة بسبب الإصابة بمرض الملاريا وغيره. كما أن المزارعين الذين اعتادوا استخدام أسمدة مغشوشة ومخففة قد يختارون التوقف عن استخدامها في شكل كلي، ما يؤدي إلى إبقائهم في الأنشطة الزراعية المنخفضة الإنتاجية.
ويعرض تقرير «مؤشرات التنمية في أفريقيا 2010» أيضاً، مؤشرات اقتصادية وجداول وتفسيراً لأسباب اعتبار أن الفساد الناعم يشكل عائقاً خطيراً أمام بلوغ أهداف التنمية الطويلة والقصيرة المدى. وعلى رغم أنه يطرح حلولاً، فإن الأمل معقود على أن تسليط الضوء على مشكلة الفساد الناعم، يحفز على بدء نقاش أوسع نطاقاً، يدفع في اتجاه التوصل إلى حلول ناجعة.
وإلى جانب درس جوانب الفساد الناعم، يتيح تقرير مؤشرات التنمية في أفريقيا مجموعةً أكثر تفصيلاً من مجموعات البيانات المتوافرة عنها في مجلد واحد. ويحتوي على نحو 450 مؤشراً على صعيد الاقتصاد الكلي والقطاعات والأوضاع الاجتماعية، تغطي 53 بلداً أفريقياً. وتشمل نقاط البيانات المرجعية التي أوردها هذا التقرير الآتي:
- نسبة الأطفال الذين يلتحقون بالصف الأول من التعليم ويستكملون الصف الخامس في تشاد لا تزيد على 37 في المئة، في حين تصل إلى 99 في المئة في موريشيوس.
- يتمتع 29 في المئة من السكان في الصومال بإمكان الحصول على مياه شرب نظيفة من مصدر مأمون. بينما تصل هذه النسبة إلى 100 في المئة في موريشيوس.
- يستهلك الفرد في جنوب أفريقيا أعلى معدل للطاقة الكهربائية (4809 كيلووات ساعة)، في حين يستهلك في إثيوبيا أدنى معدل (38 كيلووات ساعة).
- يوجد معلم لكل 22 تلميذاً في المدارس الابتدائية في موريشيوس، في مقابل معلم لكل 91 تلميذاً في جمهورية أفريقيا الوسطى.
ويطبق التقرير أدوات مسحية جديدة من قبيل مسح تتبُّع مسار الإنفاق العام ومسوحات تقديم الخدمات الكمية، ما يمكن الباحثين من تتبع الموارد ومتابعة تواجد مقدمي الخدمات في الخط الأول. وأدت نتائج هذه البحوث والمسوحات إلى تحسين فهم نطاق عريض من الممارسات القائمة على سوء السلوك، وأسهمت في إعادة تشكيل نقاش السياسات الدائر حول الفساد.







