-
«ها تشي لللوننيي»... بعين غربيةالجمعة, 19 مارس 2010
«ماذا يعني «ها تشي لللوننيي؟» سألت مراسلة صحيفة «لو كروا» الفرنسية، وقد غشيتها موجة ضحك، كبقية ركاب الميكروباص الأبيض الذي طاف بوفد إعلامي في القرية الذكية. وإذ تُرجِمت الكلمة الى الفرنسية، اتضح للصبية ذات الوجة الناعم أنها تتصل بالإصابة بالشلل، ما يشير الى شدّة الانفعال والغضب وعدم الرضا. تابعت الصبية الضحك، ما دفع بمزيد من اللون الأحمر الى خديها الأبيضين، فباتا أكثر حيوية تحت شعرها الأشقر.
لم تتأخر الفرنسية في إبداء امتعاضها الواضح من اسلوب المرأة التي صعدت الى الباص من المبنى الرئيسي لـ «القرية الذكية»، كي ترافق وفداً إعلامياً عربياً وأجنبياً فيها. لم يكن من تتحدث إليهما تلك الصحافية بأقل ضحكاً منها (وهما صحافيان عربيان)، بل ان أحدهما قال للمرأة بطريقة مصرية تمزج النقد اللاذع بروح النكتة المتلاعبة على الكلمات: «سلامتك»، فخالط كلمته ضحكاً صدر عن أفواه معظمها لا يعرف العربية، لكنها لم تخطئ التعرّف الى رنّة التعالي المذهل في حديث المرأة للسائق. كيف خطر لها أن نبرة التعالي قد تروق من أتوا من دول متجذّرة في الديموقراطية، خصوصاً مسألة المساواة بين الناس والاحترام العميق للعمل؟
لاحقاً، أبدت صحافية استرالية تراسل صحيفة «تايمز» اللندنية، غضبها العميق من نبرة التعالي المفرط في حديث المرأة الى السائق الذي يفترض انه إنسان يؤدي عمله، وان نقد تلك التي تحتل وظيفة أعلى مرتبة لا يفترض أن يصل الى التعالي.
وأعربت الاسترالية، على غرار زميلتها الفرنسية، عن استغرابها لهذا الأداء من شخصية يفترض أن وظيفتها تتركّز على التواصل مع الزوار كي يخرجوا بانطباع إيجابي عن زيارتهم مشروع «القرية الذكية». لكن ذلك لم يكن حدثاً وحيداً لظهور العين الغربية النقدية، وطريقة تفكيرها بالثقافات التي تتعرف إليها.
حجاب لا يمنع المعلوماتية
أثناء أول لقاء للوفد الإعلامي مع رسميين في «هيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلوماتية» (إيتيدا)، في مقر الهيئة، حدث أمر هيّن، كان من الممكن ألا يترك أثراً، لكن تدخلاً غير مُتدبر أدى الى تحوّله الى موضع للنقاش. فعقب كلمة الوزير طارق كامل، فُتح باب الأسئلة والحوار. ولأن كلمة الوزير الافتتاحية تضمّنت عرضاً للشرائح الضوئية للكومبيوتر، فقد تُركت على الشاشاتين الكبيرتين في القاعة الرئيسة للهيئة، صورة لفتاة مصرية تلبس ملابس «كاجوال» حديثة، ويعلو رأسها حجاب بلون وردي خفيف، من النوع الشائع مصرياً وعربياً. ثم خرج الوزير. وقبل ان يخرج الحضور الى استراحة قصيرة لتناول القهوة، فاجأ ممثل إحدى شركات المعلوماتية الحضور بالقول انه لا يريد من الإعلاميين ان يفهموا من الصورة ان فتيات مصر يرتدين الحجاب جميعهن. ولما حاول أحد مسؤولي «إيتيدا» تخفيف حدّة هذا التدخّل، زاد تورّط ذلك الرجل، ولم يتردد في وصف مدير الشركة التي جاءت منها الصورة بأنه من «جماعة الإخوان المسلمين». ويبدو ان الرجل «نسي» الجدل العميم عن الحجاب في الغرب، والمواقف المتفاوتة منه في تلك الدول أيضاً، ما يعني أنه موضوع أكثر تعقيداً من الاعتقاد بأن الغرب الميال للسفور سيرحب بتلك الملاحظة، من دون نقد كافٍ. وفي اثناء استراحة القهوة، لقيت الملاحظة سيلاً من النقد. وساد إجماع على انها تحمل استخفافاً كبيراً بالإعلاميين أولاً، إضافة الى سطحيتها البالغة. ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ، إذ لوحظ ان الإعلاميات الغربيات، مثل ممثلة صحيفة «لو كروا»، ركّزن عدسات كاميراتهن على المحجبات ممن يعملن في قطاع المعلوماتية والاتصالات. وهكذا، تكاثر التقاط صور المحجبات العاملات في «فودافون كول سنتر» Vodafone Call Centre، باعتبارهن من نخبة جرى اختيارها لتفوّقها وكفائتها لغوياً، خصوصاً في اللغات الأوروبية مثل الألمانية.
أفق مسدود
أثناء مغادرة ثلاث صحافيات أوروبيات من الوفد مطار القاهرة الى لندن، شكّلت تلك الملاحظة التي ينقصها الذكاء، موضعاً مفضلاً للتندّر، مع ملاحظات أشادت بكفاءة من قابلنهن من المحجّبات في مؤسسات المعلوماتية والاتصالات، مثل «إيتيدا» و «فودافون كول سنتر» و «معهد تكنولوجيا المعلومات».
في الرحلة الى المطار، صدر عن الصحافية الاسترالية ملاحظة قوية حيال الإفراط بالبعد الفرعوني لمصر. وبكلمات مختصرة وقوية، أشارت الصحافية الى ان الأمر يبدو كأن ما بين الحاضر والفراعنة فراغاً في الزمن لم يتحقق فيه شيء يذكر، بل كأن البلاد لا تملك حاضراً ما تتباهى به بقوة توازي اعتزازها بماضيها الغابر! باختصار، ظهر الإفراط الفائق في إبراز الماضي السحيق، وكأنه يحمل تقزيماً للحاضر، وللزمن الممتد بين الأهرامات واللحظة الراهنة. ويشبه ذلك ما قيل في بعض الصحافة العربية، دفاعاً عن مصر ونقداً لإعلان ظهر على «سي أن أن»، قبل سنوات، يعرف مصر من خلال الأهرامات وزمنها، ثم يقفز الى الزمن الراهن، ليعرض مراكز السياحة والتسوّق والترفيه في بلاد النيل. وقالت تلك الصحافة إن الأمر يبدو وكأن بين الزمنين فراغاً، لم يتحقق فيه أشياء مثل «مكتبة الإسكندرية» القديمة وغيرها من منجزات الحقبة الرومانية والمسيحية، وكذلك الحال بالنسبة لمنجزات الحضارة الإسلامية التي أسست في مصر أول جامعة في التاريخ على سبيل المثال لا الحصر.
وأظهرت العين الغربية ملاحظاتها النقدية مرّة أخرى أثناء زيارة «فودا فون كول سنتر». إذ أطنب مسؤولو المركز في الحديث عن دقة اختيارهم للنخبة من الخريجين من الجامعات المصرية، والذين يشترط فيهم أيضاً التمرّس في غير لغة أوروبية، مبيّنين ان هذه النخبة تقضي في الـ «كول سنتر» بين 4 و5 سنوات كمعدل وسطي.
وبهمس، سألت الاسترالية عن الأفق الذي يفتح لخريج شاب ولامع ومتفوّق، حين يقضي السنوات الأفضل من عمره منصرفاً الى الإجابة عن مكالمات هاتفية!







