-
«غزال» بمواصفات «حصان»الجمعة, 19 مارس 2010
يرتفع ضغطي، وتثور أعصابي كلما سمعت مسؤولاً أو موظفاً كبيراً يقول «واخترنا أن نبدأ في هذا المشروع من حيث انتهى الآخرون»، وهي عبارة «مطاطة»، يرددها كثير من المسؤولين في حفلات تدشين المشاريع الجديدة عادة بقصد أو بغير قصد.وأسوأ من ذلك ما يردده بعض العوام، ويقع فيه بعض الكتّاب غير المتخصصين، وهو أنه طالما أننا نملك الأموال، فلماذا لا نتحول إلى بلد صناعي وننتج بدلاً من أن نستورد، وكثيراً ما أردد بيني وبين نفسي عبارة اخواننا المصريين الشهيرة «ما كانش حد غُلب»، لأنه لو كانت الأمور بهذه السهولة، لتحولت كل دول العالم الى تصنيع ما تحتاجه، ولما بقي عالم نامٍ او (نايم على الأصح) لأن كل الدول ستصبح دولاً متقدمة. تذكرت العبارات الرنانة السابقة في محافلنا وصحفنا، وأنا أقرأ خبر عرض جامعة الملك سعود لسيارة تعمل بالدفع الرباعي في معرض جنيف للسيارات هذا العام، أطلقت عليها اسم «غزال»، ولزيادة «البهارات» والاثارة على الخبر، فقد جاء عنوانه (المملكة تدخل عالم صناعة السيارات برباعية الدفع «غزال»).
وفي تفاصيل الخبر: «واحتلت السيارة الخضراء «بلون الإسلام» بحجمها الضخم بطول 4,8 متر وعرض 1,9 متر المنصة الصغيرة المخصصة لجامعة الملك سعود، ورفع عليها علم المملكة». وفي ختام الخبر: «وقال استاذ الهندسة الصناعية في الجامعة سيد محمد درويش وضعنا خطة عمل كاملة. ينبغي استثمار 400 مليون يورو لننتج في السعودية 20 ألف وحدة سنوياً على ثلاث سنوات». وتابع: «وضعت خطة وطنية لتحويل المملكة المتخصصة بالانتاج النفطي حصراً، إلى دولة صناعية. إنها خطة استراتيجية». والحقيقة انني دهشت، سواء من التفاصيل، أو من صياغة الخبر، فما دخل لون السيارة بالاسلام، وهل ستسميها الجامعة «سيارة غزال الاسلامية» لأن لونها أخضر؟ ثم من وضع الخطة الاستراتيجية لتحويل المملكة إلى دولة صناعية؟ ومن سيدفع 400 مليون يورو للمصنع الجديد؟ ثم إن صنعناها من سيشتريها؟ وهل ستنافس السيارات الألمانية في تقنيتها؟ أم اليابانية في اقتصاديتها؟... أسئلة تتوالد بعضها من بعض من دون إجابة، وأخشى ان يمر هذا المشروع من دون دراسة كافية لأن مصيره الفشل والفشل الذريع لأسباب اقتصادية عدة هي:
أولاً: اننا في المملكة لا نملك أية ميزة مطلقة ولا نسبية في صناعة السيارات، فليس لدينا المواد الخام للتصنيع، ولا نملك التقنية الضرورية لذلك، ولا نملك أيضاً الأيدي العاملة الرخيصة والمؤهلة لمشروع كهذا.
ثانياً: اننا لو اغفلنا أولاً، واستوردنا المواد الخام والتقنية والأيدي العاملة الماهرة وانتجنا فلن نستطيع تسويق منتجنا، وتجربة الشقيقة الجزائر في ثمانينات القرن الماضي أثبتت فشل التصنيع اعتماداً على استيراد كل عوامل الانتاج، فلماذا نعود لنكرر تجربة فاشلة؟
ثالثاً: إن منحنى التعلم أو منحنى «الخبرة» في الصناعة يحتاج ما بين 10 و15 سنة لنصل الى الاتقان وكفاءة المنتج، وهي مدة طويلة نسبياً، ولن تستطيع اية جهة تحمل الخسائر لهذه الفترة الطويلة.
رابعاً: ان الصناعة عموماً، ومنها صناعة السيارات ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمراكز البحث العلمي والتقني في الجامعات والأقسام المتخصصة بما يسهم في تحسنها وتطوير كفاءتها، وهذا العنصر مفقود لدينا تماماً.
خامساً: ان سوق السيارات عموماً تسيطر عليه شركات عملاقة اكتسبت شهرتها وولاء المستهلك لها في سنوات طويلة، ويصعب منافستها، سيما وهي تستفيد مما يسمى باقتصاديات الحجم الوفير، بحكم كبر حجم منتجاتها وتنوع أسواقها في العالم.
سادساً: ان مواصفات «غزال» بحسب الخبر غير مناسبة البتة، والتوجه الحديث في صناعة السيارات نحو السيارات الصغيرة، قليلة الكلفة، وليس قاطرة بطول 4.8 متر.
سابعاً: ان كلفة استيراد المواد الخام واستيراد التقنية واستقدام الايدي العاملة سيجعل كلفة انتاج «غزال» أكبر من كلفة انتاج مثيلاتها في الأسواق الأخرى التي تملك المادة الخام أو التقنية المناسبة أو العمل الرخيص والمؤهل، وبالتالي فهي ليست منافسة مع الآخرين.
واختم بأن المشروع غير مقبول ولا مناسب من الناحية الاقتصادية، ويمكن أن يقبل فقط لو حولته الجامعة إلى مشروع تدريبي وتعليمي لطلبة الهندسة لديها وبكلفة قليلة، على أن تبدأ بإنتاج سيارات نقل صغيرة (شبيهة بالداتسون)، رخيصة الثمن وقليلة التكاليف، يحتاجها رب المنزل ليحمل عليها اسطوانات الغاز، ويشتريها المزارع لينقل عليها علف ماشيته، وبمعنى آخر سيارة بسيطة بمواصفات حصان (كديش وليس أصيل) أو (حمار على الأصح)، حتى تكتسب شعبيتها مع الزمن، ويصبح وجودها ضرورة في كل منزل، ومن ثم يمكن تطويرها واضافة التحسينات والاكسسوارات المناسبة. وهكذا بدأ الآخرون، وهكذا يجب أن نبدأ، لأن منحنى التعلم والخبرة يبدأ قريباً من الصفر، ويتدرج للأعلى ببطء، ويجب ألا تأخذنا الحماسة والعبارات الرنانة، فلن يستطيع أحد أن يبدأ من حيث انتهى الآخرون، اللهم هل بلغت اللهم فاشهد.
اقتصادي سعودي - بريطانيا
تعليقات
«غزال» بمواصفات «حصان»
أتفق في بعض وأختلف مع البعض الآخر
لن نتطور ونتحول إلى بلد مصنّع بدون مبادرات كهذه ، بغض النظر عن القيمة - المباشرة - من المنتج هناك نواحي أخرى لا ينبغى إهمالها . الصين القوّة العظمى في العالم ، قامت مؤخراً بإنتاج سيارات
great wall وبدأت تغزو بها العالم وبدأت بأستراليا
10-15 سنة
وقت معقول لبلد يسعى لأن يتحوّل إلى بلد صناعي لينافس في الصناعة بغض النظر كانت سياراة أو غيرها . لا تنسى أن هناك عدد كبير من المدن الاقتصادية والنهضة العلمية - في جامعة الملك سعود هناك وادي الرياض للتقنية وهي حاضنة أعمال تحتضن مثل هذا المنتج-
ولنا في اليابان خير مثال
في البال بعض النقاط أكتفي بهذا القدر لضيق المساحة








«غزال» بمواصفات «حصان»
حرم جامعة الملك سعود بالرياض مع الاسف الشديد عند اكتمال مشاريع الاوقاف و كليات البنات و وادي الرياض سيصبح مثل الحراج.. مع الاسف لا تخطيط و رؤية ستصبح المنطقة ازحم منطقة في الرياض .. لذا لا نستغرب من تصريح غزال .. ليت غزال كان سواليف