-
تركيا أردوغان وشعبوية إنكار مذابح الأرمنالأحد, 21 مارس 2010
التهديد الأخير الذي اطلقه رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان بطرد مئة ألف أرمني يقيمون بطريقة غير شرعية في بلاده منذ أكثر من عشر سنوات مؤسف ومحبط في آن معاً. أراد أردوغان بتهديده هذا ردع الجاليات الأرمنية في العالم عن مواصلة حملاتها السياسية والديبلوماسية لحمل أنقرة على الاعتراف بـ «الهولوكوست الأرمني»، وهي المذابح التي نفذت بحق الأرمن في نهايات الحرب العالمية الاولى، وراح ضحيتها ما بين مليون ومليون ونصف أرمني، تُتهم الدولة العثمانية بأنها كانت مسؤولة عن قتلهم. والسجال حول مسؤولية الأمبرطورية العثمانية عن تلك المذابح لم ينته حتى اليوم، وقد صدرت مئات المؤلفات والبحوث التاريخية التي أثبتت غالبيتها الكاسحة وقوع تلك المذابح ومسؤولية الأتراك عنها. الهروب من السجال التاريخي بتهديد عشرات الألوف من الأرمن المقيمين في تركيا، والذين يقبعون بذعر في أدنى السلم الاجتماعي وعلى هوامش المدن التركية، هو انتهازية سياسية رخيصة لا تخلو من عنصرية. إذا أردنا أن نرى حجم هذه الانزلاقة الكبيرة علينا أن نتخيل أن رئيس الوزراء الألماني أو الهولندي أطلق نفس التهديد بطرد مئات الألوف من الأتراك، وكثير منهم يقيم أيضاً بطريقة غير شرعية في تلك البلدان، غضباً من السياسة التركية، أو من تصرف بعض المسؤولين الأتراك أو سوى ذلك. كثير من الذين يأملون، من تجربة حزب «العدالة والتنمية» في تركيا، ومنهم كاتب هذه السطور، ان تقدم نموذجاً جديداً في السياسة والحكم الرشيد في العالم الإسلامي، يصيبهم الإحباط بسبب هذه الرعونة السياسية.
تذهب مسألة «الهولوكوست» الأرمني أبعد بكثير من تصريحات أردوغان وتضرب في عمق سيكولوجيا القومية الطورانية وتأسيس تركيا الحديثة. ففي تلك السنوات الحاسمة التي شهدت انهيار الأمبرطورية العثمانية وقيام النخبة السياسية التركية بقيادة حزب «الاتحاد والترقي» وقعت المذابح الأرمنية. كان ولاء الأرمن مشكوكاً فيه بالنسبة الى الدولة المنقضية والدولة المتشكلة حديثاً، وكان أن حدث توافق ضمني ومعلن بين النخب المودعة والنخب القادمة على سياسات الإبادة ضد الأرمن. وأنتج ذلك احد الأسئلة التاريخية الكبرى حول من يتحمل مسؤولية المذابح: هل هي الأمبرطورية العثمانية التي حاولت الحفاظ على الأقليات الدينية من خلال نظام الملل المعروف، ام هي الدولة التركية الصاعدة حديثاً والمصممة على تعميق قومية تركية لا تعرف المهادنة؟
من ناحية سياسية ومن زاوية القانون الدولي تتحمل تركيا الحالية أوزار ومسؤوليات الدولة العثمانية باعتبارها الدولة الوريثة. لكن السؤال يتعدى البعد القانوني ويذهب إلى قلب تشكل الدولة التركية الحديثة بقيادة أتاتورك، صانع تركيا وبطلها العسكري الذي لملم أجزاءها وحفظها من التفتت.
السؤال الأرمني في قيام تركيا الحديثة هو شقيق السؤال الكردي، وكلاهما يتعلق بمقدار ثقة الدولة بنفسها لتجاوز الأجزاء المظلمة من تاريخها. نعرف بطبيعة الحال أن الاعتذارات التاريخية الكبرى إزاء جرائم فادحة ضد الشعوب الأخرى أو الأقليات، تحتاج إلى فترات زمنية طويلة كي تستجمع الدولة المعنية الثقة بالنفس ولا تشعر بأن الاعتذار يهز من شرعيتها بل يؤكدها ويقويها. هذا ما شهدته السنوات الأخيرة من اعتذارات غربية سواء إزاء تجارة العبيد أو حقب الاستعمار.
ربما من الصعب زمنياً وظرفياً مطالبة حزب «العدالة والتنمية» بالاعتذار الآن عن المذابح الأرمنية وطي هذه الصفحة. ففي نهاية المطاف لا تزال الدولة التركية قيد التشكل والترسخ برغم مرور أكثر من تسعين عاماً على قيامها الحديث. فالدولة التي تهز أركانها مسألة مثل ارتداء الحجاب في الجامعات أو عدمه لا تزال حقاً بعيدة عن مستويات الثقة بالنفس التي تؤهلها لتطهير تاريخها ونفسها من جريمة كبرى بحجم المذابح الأرمنية. مع ذلك يبقى مثل هذا الطلب في نطاق المعقول السياسي ولا يقع خارجه. ندرك أن الحكومة الحالية لا تستطيع الاقتراب كثيراً من هذا المحرّم الذي قد يفجر غضب المؤسسة العسكرية برمتها، وكل أساطين اليمين القومي التركي، ويستثير أعتى شوفينياته. بيد أن مسايرة تلك الشوفينيات إلى أقصى مدى هو أيضاً انتهازية سياسية. ذلك أن ما يمكن ويجب أن تقوم به الحكومة الحالية، بكونها مختلفة جوهرياً وايديولوجياً عن الحكومات السابقة وتريد أن تقدم نموذجاً بديلاً، هو قطع نصف المسافة باتجاه الاعتذار التاريخي، وليس التصلب القومي واتباع سياسة شعبوية عينها على تصفيق المهتاجين والقوميين، وليس على تأهيل تركيا حضارياً وإنسانياً وهوياتياً.
إن آجلا أم عاجلا ستضطر تركيا الى الاعتراف بالمسؤولية وإعلان الاعتذار التاريخي. تقديم ذلك الاعتذار فيه اكتساب لمقادير أوسع من الثقة بالنفس، وفيه نفض لذلك الجزء من التاريخ الموحل بالدموية والمظالم، وإعادة إنتاج تركيا في ثوب جديد متخفف من أثقال الماضي. تأخير ذلك الاعتذار لا يؤدي إلى دفع أكلاف إضافية لا ضرورة لها، وإبقاء القضية في مسرح الابتزاز السياسي بين الأطراف الحزبية الانتهازية، فضلاً عن إبقاء التوتر مع الجارة أرمينيا. وهذا كله بطبيعة الحال لا يحقق هدف السياسة الخارجية التركية الحكيمة والذي يدور حول تخفيض النزاعات مع دول الجوار إلى مستوى الصفر.
تبقى هنا نقطتان تستوجبان التوقف عندهما. الأولى متعلقة بالتوقيت، والثانية متعلقة بالموقف العربي من المذابح الأرمنية. يُقال الآن إن توقيت الكونغرس الأميركي وبقية البرلمانات الغربية لإثارة قضية المذابح الأرمنية يستهدف الضغط على موقف الحكومة التركية من قضايا حساسة مثل فلسطين والملف النووي الإيراني. وهذا ليس مُستبعداً ولا يجب أن يُنفى، لكنه لا يغير من جوهر القضية. بل حري بتركيا التخلص من هذا العبء والمسوغ حتى لا يظل جاهزاً للاستخدام من قبل خصومها. إضافة إلى ذلك نعلم أن الكونغرس الأميركي والولايات المتحدة بشكل عام وقفت طوال عقود مناصرة للموقف التركي إزاء إنكار أية مسؤولية عن تلك المذابح. وكانت تلك المناصرة خلال حقبة الحرب الباردة وباعتبار تركيا حليفاً أساسياً ضد الاتحاد السوفياتي في تلك الفترة، وبكونها العضو الشرق - أوسطي الوحيد في حلف الاطلسي. لم يكن موقف الولايات المتحدة آنذاك معبّأً بالجوهر الإنساني لقضية الأرمن، وربما لا يعبأ بذلك الجوهر حالياً بقدر ما يريد لي الذراع التركية. ولكن في كلا الحالين لا نستطيع إلا أن نقول إن هذا هو ديدن السياسة القائمة على المصالح المتبادلة واستخدام الضغوط وانتزاع المواقف. غير أن ما يجب أن يُشار إليه أيضاً في ما خص التوقيت هو أن الجاليات الأرمنية في العالم، وجميعات حقوق الإنسان المعنية بالمذابح الأرمنية، وكثيراً من الحقوقيين، ينظرون إلى تصعيد قضية الاعتراف والاعتذار التركي مع الوصول لعام 2015 ومعه سيمر قرن كامل على تلك المذابح. وجوانب هذا التصعيد ونجاح الحملات يبرز في طرح القضية في عدد من البرلمانات الغربية، كالبرلمان السويدي حديثاً، والذي يصعب أن يُقال إن الهدف من مناقشته للمسألة ممارسة الضغط على تركيا. نعم هناك مصالح براغماتية ونيات سيئة في طرح هذه القضية الآن من قبل بعض الأطراف، ولكن هناك أيضاً نيات حسنة وإنسانونية عند أطراف أخرى.
النقطة الثانية تتعلق بالموقف العربي من المذابح الأرمنية. وهنا، وفي حدود إطلاع كاتب هذه السطور، لا يمكن الحديث عن وجود مثل هذا الموقف سواء على المستوى الرسمي أو حتى النخبوي، بل هناك إهمال شبه مطبق. ما يجب أن نفترضه نظرياً هو وجود حساسية إضافية عند ضحايا القمع والإبادات والاحتلالات. وفي منطقة عانت من حقب الاستعمار وبشاعاته، ولا تزال تعاني من الاحتلال والقمع والحروب الإسرائيلية، فإن التضامن مع آلام الآخرين يجب أن يكون في مقدمة ما يصوغ الموقف والرؤية إزاء القضايا العالمية والإنسانية. بعض الكتابات العربية، على قلتها، عن تركيا والمسألة الأرمنية، تبدو ملكية أكثر من الملك. والهمة التي يتم الدفاع بها عن تركيا اليوم إزاء تلك المسألة تذكر بدفوعات المؤرخ برنارد لويس عن نفس المسألة وهو صاحب اكثر الطروحات الاستشراقية استعلاء وربما عنصرية إزاء العرب والمسلمين. لويس كان، ولا يزال، من أشد المتحمسين للمشروع الأتاتوركي، وقد نافح بحرارة عن «براءة» تركيا من دم الأرمن لعقود طويلة. وحاول نقض التوثيق التاريخي الضخم لتلك المذابح والذي قام به مؤرخون من حجم جيمس برايس وآرنولد توينبي، كما حاول دحض يوميات هنري مورغنثاو السفير الأميركي لدى اسطنبول في سنوات 1913 و1916 والتي تعتبر إحدى الوثائق الأساسية التي تشير الى مسؤولية الدولة التركية عن تلك المذابح. الذين يدافعون بلا حصافة عن تركيا اليوم وينكرون مسؤوليتها عن مذابح الأرمن، وبغض النظر عن الحكومة الحالية، يقفون مع برنارد لويس في المربع نفسه.
* أكاديمي ومحاضر فلسطيني – جامعة كامبردج
تعليقات
تركيا أردوغان وشعبوية إنكار مذابح الأرمن
تركيا الحالية ستعترف بالإبادة الجماعية ضد الأرمن التي خططها ونفذها أسلافها
عن سابق أصرار عاجلا أم اجلا ولكن من الأفضل أن تقوم بذلك بطريقة حضارية ومن تلقاء نفسها ولا داعى للمغالطات التاريخية والكذب الأعلامي المدفوع . أما الذين يندفعون من خلال التعصب الديني فأقول لهم " تفحصوا كتب التاريخ بتجرد وبانسانية وبدون تحيز" وأذكرهم بأن الأتراك لم يفرقوا بين مسيحي ومسلم فهم الذين أحتلوا البلاد العربية وقتلوا أبنائها وشنقوا مناضليها ومفكريها وأغتصبوا نسائها. كل هذا تحت مسمى الفتوحات العثمانية.أما لكاتب المقال أقول "عاش فكرك النيَر وعاش قلمك الجريء وكثر الله من أمثالك." وفي الختام السلام
مقال جيد
لا شك أن المنواقف العربية الرسمية منها والشعبية تجاه قضية مذبحة الأرمن تفتقر إلى قدر كبير من الاتساق والرصانة. وتوصيف ذلك الموقف بالشعبوي ملائم تماماً في رأيي فهو مدفوع أساساً بالتعاطف الشديد مع الدولة التركية نظراً لمواقفها الداعمة لقضية فلسطين ذات الحساسية العالية.
على الرغم من أني أختلف معك في كثير مما تطرحه إلا أنني أشد غلى يدك في هذا المقال. شكراً لك.
تركيا أردوغان وشعبوية إنكار مذابح الأرمن
االاخ الكاتب ....بعيدا عن الموضوع ...لو تكتب عن فلسطين افضل للجميع ...لكن اعتقد انته تخاف لانه ثاني يوم ستكون عاطل عن العمل
يا سعادة
يا سعادة الاكاديمي ، لم انت في كامبردج ،، هل سألت نفسك هذا السؤال ..
عندما كان اجدادك في فلسطين تحت حكم الاتراك لم يكونوا في حاجة للغربة شرقا وغربا ، ولم يتشرد الفلسطينيين الا بعد زوال العثمانيين .
اتريد من الشعوب العربية طعن الاتراك مرة اخرى ، لقد تعلموا الدرس وحتى لو اتانا الف لورنس فلن نصدق .
حرب بالوكالة لاسرائيل باسم الارمن
لعلي وان اطلاع على مقال خالد الحروب اجدة وفية الكثير من المغالطات والاكاذيب التاريخية حول الارمن في تركيا والارض الاسلامية سابقا فلم يتم اي ابادة مطلقا في ارض الارمن بلمعني الابادة اما حرب ضد الاتراك فهل يعقل ان تكون الامراطورية التركية مجال للقتل والدمار والخراب والتامر واثارات النعرات وحرب بيدي ارمنية للحكومة الانجليزية في ذلك الوقت لعل المطلع علة الشئن الارمني يجدة في غية من البساطة في وضعة في تلك المرحلة هذه الحركة التي قامت بها الصهيونية العالمية وازلمها ومندسين في العالم العربي باسماء كثير يتمنون زول حكومة العدالة والتنية فما سرع التهمة في جازة ضد تركي فسينتصرونباذن الله
تركيا أردوغان وشعبوية إنكار مذابح الأرمن
ايها الصديق هل انت طعنت بالسكن من وراء ظهرك
هل انت من حارب في الدردنيل وقدماك عاريتين والبستك ممزقة وتدافع عن وطنك وعرضك واعطيت دمائك مقابل ان تحتفظ بحفنة من تراب وطنك الواسع الأطراف الذي لم يبقى منه إلاالقليل ايها الصديق هل وجدت نفسك بعد هزيمة البلقان والشرق الذي كان يقتل فيها التركي من اجل حذائه او من اجل طربوشه وقبل ان يلتقط انفاسه وتنشف عرق جبينه واجهت في الجناكلي الدردنيل الأنكليزوالفرنسيين والأستراليين والنوزلنديين وغيره وغيرم من افريقا واسيا وكلهم يملكون اعتى الأمدادات والعتاد وتقاوم من خندق لخندق من اجل اختك وامك وحفيدك اذا كان الأحوال هكذا وانت تواجه ذلك يأتيك لالعصابات من ال
تركيا أردوغان وشعبوية إنكار مذابح الأرمن
ارجو من الاستاذ ان يطالب من الاسرائيليين الاعتذار من مذابح قتل الفلسطينيين بدلا من ذلك اذا تجرأوهو في جامعة اجنبية
تركيا أردوغان وشعبوية إنكار مذابح الأرمن
اعتقد أن تصريح أردوغان ما هو إلا كبوة حصان أصيل وكان من أجل إرضاءالداخل التركي الحساس من هذه القضية ولكن سؤال الكاتب لماذاالآن في هذاالتوقيت الكل يعرف الإجابة وهنا اين برلمانات العالم مما يحدث في فلسطين وهي جريمة حاضرة وظاهرة في العالم ولكن لا أحد يجرؤ على تحميل إسرائيل المسؤولية واين العالم عن جرائم الاحتلال الفرنسي وزرع الألغام وتجريب الأسلحة النووية في اراضي الجزائر واين العالم من معادة الأسلام والتهديد بطردهم والتضيق عليهم في الكثير من الدول الغربيةعلى الكاتب المحترم ووهو فلسطيني ترك الموضوع لأصحابه ولا يملي عليهم ماذا يفعلون ونحن الفلسطينون لا نريد معادة اصدفائنا من أجل أعدائنا








حقيقة تاريخية شئنا ام ابينا
شكرا لك ايها الأخ الكاتب على مقالتك السباقة و الجريئة,و لكني أريد أن أضيف بأن الدين الأسلامي براءة من الأبادة الجماعية للأرمن والأثبات على ذلك :1-رسالة الشريف حسين من مكة المكرمة الى زعماء و رؤوساء العشائر و القبائل العربية في بلاد الشام يطالبهم بمساعدة الناجين من أخوتهم الأرمن 2-الذين قاموا بالمذابح جمال باشا السفاح, طلعت باشا, أنورباشا كانوا من اليهود الدونما و هم الذين اعتنقوا الأسلام علناً و ظلوا يهودا سراً ,هذه الحقائق موثقة تاريخيا و تدرس في كثير من مدارس الشريعة الأسلامية منها جامعة الأزهر. أرجو من الجميع الأعتراف بالحقيقة مهما كانت صعبة والنظر للمواضيع من منظور أنساني