-
بطالة الرقص الكوريغرافيةالاربعاء, 08 يوليو 2009فريديريك بويّود *
يتملص الرقص من النظر ومحفوظاته ومدوناته، ويمتنع منها. ولعل السبب في هذا هو انه ليست ثمة مكتبة تراكم أو تثبت ما قوامه الحركة. وحين نشأت الجماليات في كنف الفلسفة، في القرن الثامن عشر، لم تفرد للرقص محلاً في نظام الفنون الجميلة وعمارتها.
ويلاحظ أن المفكرين الذين تناولوا الرقص حملوه على أقل من فن أو على أكثر منه. فهو إما خفة وتبديد ولهو، وإما مرآة «وحدة الحس والحركة الأولى وركن الفنون كلها». وهو، على هذا، فن قبل الفن وقبل الاستواء عملاً أو أثراً فنياً. والسبب في الحال المضطربة والمترجحة هذه، هو أن الجسد الراقص وحده يحس ما يعتمل فيه ويؤديه الى النظر الشاخص. ولا يسع الناظرين مشاركة الراقص أحاسيسه ومشاعره وطويته، على خلاف الأصوات التي يصدرها الموسيقي، والرسوم التي يصورها الرسام.
الى هذا، فالرقص تبديد خالص، يذوي حال أدائه ولحظة الأداء هذه. فلا يخلف وراءه الا رماداً. ولا يحفظه كتاب، ولا مدونة ولا لوحة ولا يسعى الرقص في غاية، ولا ينجز عملاً غير تلويحه أو لائحته. ولقاء هذا الظاهر المحض يتصبب الراقص عرقاً، ويسفح كثيراً من الماء على الخشبات، ويغلي جسمه المتفجر غلياناً لا قيد عليه، ويغرس جذوره في عنف لا غاية له، ولا قصد من ورائه غير نفسه. وما يعمله الفعل الكوريغرافي هو سلبنا المرسل، وتصريفه وجوهه الحميمة من غير الخروج منها. والحق أن ما يسميه التراث الغربي «أعمالاً» أو «آثاراً» هو ما ينشئ عالماً مشتركاً، ويشرك في معان ومعايير تدوم زمناً. والرقص لا ينشئ عالماً مشتركاً، وهو لا يدوم بعد الأداء الذي يتبدد فيه.
* مدرس فلسفة، عن «لوموند دي ليفر» الفرنسية، 3/7/2009، إعداد و. ش.





