-
أوروبا المجهولة!السبت, 21 نوفمبر 2009الياس حرفوش
من السهل الاعتقاد، في أعقاب انتخاب شخصين شبه مجهولين لأهم منصبين في الاتحاد الاوروبي، أن هذا الاتحاد، بطبعته الجديدة بعد معاهدة برشلونة، أصبح يميل الى دور اكثر شحوباً في صناعة القرار السياسي الدولي عما كان عليه في السابق. يغذّي هذا الاعتقاد أن منصب الرئيس الاوروبي الذي كانت بريطانيا رشّحت له وجهاً معروفاً أوروبياً ودولياً، هو رئيس حكومتها السابق توني بلير، ذهب الى شخص مجهول في أوروبا وحول العالم، حتى انه لم يكن معروفاً على نطاق واسع في بلده بلجيكا قبل ان يتولى رئاسة حكومتها قبل اقل من سنة، حيث عمل على إعادة وصل الثوب البلجيكي الممزق بين «شعبيها» الفلامان والفالون.
أما المنصب الثاني، الذي يوازي منصب الرئيس في الاهمية، وهو منصب الممثل الاعلى للسياسة الخارجية، أو ما بات يُتعارف عليه بحسب معاهدة لشبونة بوزير الخارجية، فقد ذهب الى وجه مجهول آخر، حتى في بريطانيا نفسها، بلد المسؤولة الجديدة كاثرين اشتون. وهكذا فبعد ان اعتاد العالم لسنوات على التعامل مع خافيير سولانا، الاسباني الانيق الذي جاء الى هذا المنصب من موقع بالغ الاهمية هو الامين العام لحلف شمال الاطلسي، بات على القادة الدوليين ان يتعرفوا الى شخصية جديدة لم يسبق لها ان تعاطت الشأن الخارجي لا في بلدها ولا في الاتحاد الاوروبي، حيث سبق لها ان شغلت منصب المفوضة الاوروبية للتجارة، كما تشغل مقعداً في مجلس اللوردات البريطاني، وهو مجلس يتم فيه تعيين الاعضاء من دون انتخاب.
في منطقة مثل التي نأتي منها حيث يتصل عمل المؤسسات اتصالاً حيوياً بالوجوه التي تقف على رأسها، لا نستطيع ان نفهم أن مؤسسة في حجم الاتحاد الاوروبي، الذي يضم اليوم 27 دولة، تستطيع ان تسيّر أمورها بقيادة «مجهولَين». في عُرفنا أن الشخص هو مؤسسة الحكم، والمؤسسة هي الشخص. تتساوى في ذلك الاحزاب والحكومات والهيئات الثقافية والاجتماعية. لذلك سيكون صعباً على من يحملون خلفية «شخصانية» كهذه أن يفهموا كيف أن لقادة مثل نيكولا ساركوزي وانغيلا ميركل وغوردون براون ان يجلسوا، اعتباراً من كانون الثاني (يناير) المقبل، الى طاولة اجتماعات اوروبية على رأسها شخص يدعى هيرمان فان رومبوي.
ليس هذا فقط. بل كيف كان لمدينة باهتة مثل بروكسيل أن تحتل موقع الصدارة والوجاهة في القلب الاوروبي، وأن تسرق مؤسسات اتحاده، على حساب مدن اكثر لمعاناً وعراقة، مثل لندن وباريس وروما وسواها؟ ألم يكن ذلك هو بداية تنازل اوروبا عن مدنها ووجوهها اللامعة لمصلحة مدينة ودور هما أكثر قدرة على صناعة التوافق واعادة ترتيب الخلافات؟
للإنصاف، ليس هذا التحفظ سليل منطقتنا وحدها ولا يقتصر على ثقافتنا. التساؤل عن مستقبل الدور الاوروبي في العالم، بعد التعيينات الاخيرة، فتح الباب امام الاسئلة نفسها في الصحافة الاوروبية والعالمية ايضاً. والجميع تذكّر ذلك السؤال الشهير الذي أطلقه مرة وزير خارجية أميركا الاسبق هنري كيسنجر، عندما قيل له ان اوروبا باتت لاعباً مهماً على المسرح الدولي: ما هو رقم هاتف قائد اوروبا الذي نستطيع ان نتحدث معه؟
من الصعب القول ان بداية تطبيق معاهدة لشبونة، على الصورة التي شهدناها، ستفتح الباب أمام زعامة أوروبية على المسرح الدولي، توازي الزعامة الاميركية المستحكمة والزعامة الصينية الصاعدة. المشروع الاوروبي مختلف في الاساس من ناحية الهوية وآلية اتخاذ القرار. دوله المجتمعة في الاتحاد الاوروبي لا تزال لها مصالحها الخاصة وهمومها المستقلة. هكذا لم يجد غوردون براون، رئيس الوزراء البريطاني، حرجاً في اعتبار اختيار سيدة بريطانية كأول «وزيرة خارجية» لأوروبا، انتصاراً لبلاده ولدورها في اوروبا وفي العالم، بدل أن يعتبره عامل استقرار ووحدة للمشروع الاوروبي المشترك.






أيا كان الأوروبي يبقى جيري ولن يصبح توم
سواء كانت شخصيات أوروبا من نوع الخبير أم من نوع البغو, فكل دورها الخارجي كدور جيري أمام توم, حيث ينشط الفأر الأوروبي عندما يسترخي القط الأمريكي فقط لاغير.
أيمن الدالاتي _ الوطن العربي