-
أخوة الملاعب و... الجبهاتالسبت, 21 نوفمبر 2009حازم صاغيّة
في 1969 تنافس فريقا كرة قدم، واحد سلفادوريّ وآخر من هندوراس، كانا يحاولان التأهّل لدورة العام التالي في بطولة أميركا اللاتينيّة. لكنّ الشغب الذي أسفر عنه لعبهما، والسلوك العنيف لحضور المباراة، قادا إلى حرب دامت أربعة أيّام.
لم تكن كرة القدم غير ذريعة لنزاع أساسه الهجرة السلفادوريّة المتدفّقة على هندوراس. فعنف الرياضة رمزيّ كما يُفترض، وبديلٌ، كما يُفتَرض أيضاً، عن العنف الفعليّ.
لكنّ ما حصل كان كافياً لوقف التذكير بسيمون بوليفار وبدعوته إلى وحدة أميركا اللاتينيّة. ذاك أن توطّد الدول والوطنيّات يُستحسَن أن يكون إيجابيّاً، متنُه الإنجازات، لا سلبيّاً قوامه الكراهية لدولة ووطنيّة أخريين. والتذكير ببوليفار لا يفعل، فيما الدول تترسّخ، غير استحضار الخوف عند أصغرها من أكبرها، ورفع نسبة السلبيّ في تشكّلها الوطنيّ.
وفعلاً خفتت الرطانة الوحدويّة، حتّى اضمحلت، لتعود وتنبعث على شكل كاريكاتوريّ مع الرئيس الفنزويليّ شافيز، المعادل الأميركيّ اللاتينيّ للعقيد الليبيّ معمّر القذّافي.
وهذا درس فجعتنا به الحرب «الرياضيّة» الأخيرة بين مصر والجزائر حيث لم يبق مقدّس عند أحد الطرفين إلاّ هتكه الآخر، ولم يبق استعداد باطن للكره والعنصريّة إلاّ أُحضر إلى الساحة. هكذا برهن أحد الطرفين أن تاريخ الآخر كذبة، فيما برهن الطرفان أنّ كلّ عالمنا وأفعالنا مجرّد صفر.
ولم يكن مستشرق لئيم من فبرك الشرق فرسمنا على هذا النحو تبعاً لأهواء عنده نحن منها براء. ذاك أنّنا نحن من فعل هذا، وهذا ما نفعله. وإذا كان الإعلام قد مارس الإسفاف والبذاءة العنصريّة، وهو قد فعل حقّاً، فهذا لا يغيّر في صورة المواجهة، بل يجعلها أشدّ عضويّة، دافعاً الإعلامين إلى صبّ جهودهما في «المعركة» إلى جانب «الجهود الوطنيّة» الأخرى. أمّا دعوات الداعين إلى التركيز على «الأعداء الحقيقيّين» فبدت مضحكة بقدر ما دعت إلى الشفقة، إذ ملايين المصريّين والجزائريّين كانوا، بملء إرادتهم، يختارون، في تلك اللحظة، «عدوّهم الحقيقيّ».
وهذا كلّه لا يحتاج إلى حدود مشتركة كي يتفجّر. وهو، كذلك، أكثر من «حقد» الجزائرييّن الأمازيغ على المدرّسين المصريّين، أو «حقد» الجزائريّين كلّهم على «دور مصر المركزيّ». وهو، بالمعنى ذاته، يتجاوز «حسد» المصريّين من «ثورة المليون شهيد». ما حصل في الملاعب والشوارع، في الأوطان والمهاجر، امتداد، ملهويّ ومأسويّ، للوعي السلبيّ لدينا، والذي يريد للمعاني والولاءات أن تتشكّل «ضدّ» طرف ما: ضدّ المستشرقين وضدّ الإعلام وضدّ أميركا وإسرائيل. وهي محطّة تقاطُع عريض بين الأنظمة وبين معارضاتها من على جانبيها «القوميّ» أو الإسلاميّ. فالهروب المتواصل مما ينبغي إنجازه يجعلنا غاضبين باحثين عن أعداء لا نلتقي بهم وجهاً لوجه إلاّ حين نلتقي بـ «الأخوة»، في ملعب أو في مواجهة على حدود مشتركة. يسمح هذا بالافتراض أن مواجهة بين جارين أقرب إلى بعضهما مما يفصل الجزائر عن مصر، كانت لتكون أشرس بكثير: فلنفكّر في فريقين سوريّ ولبنانيّ، أو ليبيّ ومصريّ، أو جزائريّ ومغربيّ!.
إنّ كميّة الغضب المكبوت والمزوّر (حتّى حدود تصديق الكذب) هي التي استعرضت نفسها في كرة القدم. وكلّما زاد الاقتراب، في ظلّ هذا الوعي السلبيّ، زاد العداء. ولماذا يُستغرَب هذا؟. فـ «قضيّة العرب المشتركة» لم تعد مشتركة كثيراً، على ما يدلّ قدر لا حصر له من البراهين. ذاك أن العالم الإسلاميّ غدا، في هذا الصدد، مشطوراً بين طرف يوظّف هذه القضيّة لصالحه، وطرف يُجَرّ إليها غصباً عنه، بالابتزاز والحروب الأهليّة، فضلاً عن التخوين والتكفير. والطرف الأوّل لا يقتصر على «جماهير» تماماً كما أن الطرف الثاني لا يقتصر على «حكّام». وما يصحّ في العالم الإسلاميّ الواسع يصحّ في الفلسطينييّن أنفسهم، وهم أيضاً فقدوا اشتراكهم في القضيّة المشتركة.
ما الذي يبقى؟ تبقى الحروب الحدوديّة والحروب الأهليّة ضمن مساحة البلد الواحد، الرمزيّ منها (وهو لم يعد رمزيّاً) تشهده الملاعب، والفعليّ تسجّله الجبهات الساخنة.
لقد آن، ربّما، أوان مصارحة الذات الجمعيّة (إذا وجدت)، والانتباه إلى ضرورة التقدّم من أنفسنا ومن الكون العريض بشيء واحد إيجابيّ ومنتج. فالترجمة العمليّة الوحيدة لـ «المستشرق» و «اليهوديّ» و «الأميركيّ» هي الجزائريّ عند المصريّ والمصريّ عند الجزائريّ والشيعيّ عند السنّيّ والسنّي عند الشيعيّ... إلى أن يفني «الأخوة» واحدهم الآخر وهم غاضبون على أميركا وإسرائيل!.
مواضيع ذات صلة
تعليقات
مفارقة مذهلة بين المقال والتعليقات!
على فكرة، ثمة مفارقة مذهلة يا أستاذ حازم. كل من أسهم أعلاه بتعليق عقلاني رافضاً الغوغاء ومثنياًعلى مقالك، استعان في معرض حديثه بمصطلحات "العروبة" و"الأخوة" و"الأشفاء"، وهي ذات المصطلحات (والمفاهيم) التي تسخر منها في مقالاتك عادة. ألا يستدعي ذلك منك مراجعة أيضاً؟؟
شكراً
ربيع - لبنان
اسئلة
هذا جميل ياحازم
نتمنى ان نقرأ المزيد من مساهماتك حول أسئلة مثل
لماذا وكيف تنجح اجهزة الاعلام في توجيه اهتمام الناس نحو مسائل لا قيمة حقيقية لها في حياتهم
كيف ينسى المصري الكوارث الاقتصادية و المعيشية ..الخ التي يعيشها و يتحول للاهتمام بمباراة كرة قدم؟
لماذا لا تنزل الجماهير الى الشارع وتقاتل من اجل الاصلاح و العدالة ولقمة العيش بكرامة و الضمان الصحي....الخ
شكراً
سلام عليكم اولا
سلام عليكم اولا انا جزائرية المقالة لي كتبتها مقالة رائعة ولكن ان افهم شي لما حصل كل هاذا هل هي بسبب مباراة ام بسبب من بعض اخر يقول بسبب لي حصل في قاهرة لما اعتدو على فريقنا كل هاذي تفهات وصل لبلدين شقيقين الى ساحة معركة انا جزائرية واحب مصر ولاكن اصبحت عداوة بين بلدين لا اعرف ماذا اقول وشكرا لكم
ملاك من جزائر
مصر و الجزائر
أنا مصرى و أحى شعب المليون شهيد و أحى مصر 6 أكتوبر73 و لا داعى للأعلام أن يسكب الزيت على النار لأنة المستفيد أولا وأخيرامن التوزيع و الأعلانات على المحطات الفضائية وأكثرهم أهل نفاق و رياء
اتقو الله
اريد ان اقول لأخوتنا في الجزائر و في مصر ألستم اسلام و عب و اخوة في الدين و القومية بسبب خسارة في اتفه الاشياء مثل هذة اللهو لماذا لا تقوموا قومة رجل واحد على الصهاينة و الامريكان الذين يقتلون كل يوم كذة مسلم و عربي .... و شكر خاص للكاتب و الاستاذ حازم صاغية
اتقو الله
اريد ان اقول لأخوتنا في الجزائر و في مصر ألستم اسلام و عب و اخوة في الدين و القومية بسبب خسارة في اتفه الاشياء مثل هذة اللهو لماذا لا تقومو قومة رجل واحد على الصهاينة و الامريكان الذين يقتلون كل يوم كذة مسلم و عربي .... و شكر خاص للكاتب و الاستاذ حازم صاغية
استاذى تحية
استاذى
تحية طيبة وبعد
احيك على مقالتك واشاركك المرارة التى استشعرتها فى كلماتك
فكم اشعر بالحزن بسبب تلك الاحداث ولكن حيرتى اكبر فهل كان ما حدث بسبب مباراة لكرة القدم؟ ام انها مجرد القشة التى قصمت ظهر البعير وماهى الا نتاج لكراهية لا اعرف كيف زرعت ومن زرعها واصبحنا فريسة لوحشية الاعلام الذى يتغذى على مبادئنا وروابطنا وعروبتنا ارجو من الله ان يلهمنا الطريق الصحيح لنسير فيه بدلا من الهاوية التى نسرع اليها
اشكرك
والسلام عليكم
زينب عيسى
مصر
HAZEM ZAKIA ARTICLE ON BROTHERS IN THE SOCCER COURT
HUMANS ALWAYS USED RELIGIONS AND CULTURES TO BE RACIST.ALL OF US ARE EQUAL WHENEVER WE LIKE TO ADMIT IT OR NOT.ONLY LOOSERS BECOME WINNERS WHEN THEY USE THESE TACTICS.124000 PROGHETS THREE GREAT RELIGIONS DIDNT HELP, I DON'T KNOW IF ANYTHING ELSE WOULD.I AM A ARABIC AND A PROUD MUSLIM,BUT HALF OF MY FRIENDS ARE CHRITIANS AND TWO JEWISH.I AM A HUMAN BEFORE I AM AN ARABIC AND A MUSLIM
مقالة أقلّ ما
مقالة أقلّ ما يقال عنها رائعة!






I never like hazim analysis.
I never like hazim analysis. But this article is an execellent one.