-
وهْم انتصار ... وهْم خسارةالإثنين, 30 نوفمبر 2009
عبده وازنRelated Nodes:< البيان المشترك الذي أصدره مثقفون مصريون وجزائريون مستنكرين حال العداء الذي نشب بين بلدَيْهم من جرّاء مباراة كرة القدم الأخيرة، لم يكن في حجم الحدث الذي نادراً ما شهد العالم العربي ما يماثله سابقاً. بيان غير واقعي تماماً، لم يتمكن من لمس الجرح الخفي الذي يعتري «الروح» العربية. هذا «خطاب» مثاليّ بطبعه ومترفّع عن «الصغائر» التي حصلت، وهي ليست أصلاً بصغائر وإن بدت هكذا. فالمأساة أبعد من أن تكون صراعاً عفوياً اندلع للفور بين شعبين متحمّسين لفريقيهما، وهي أعمق من أن تكون أيضاً وليدة نزعة «شوفينية» مصرية أو جزائرية. ولعلها كانت لتحصل حتماً، أياً تكن الدولتان العربيّتان المتباريتان، لا سيّما إن كانتا على خلاف رسميّ في السياسة. واللافت في هذا العداء المفاجئ أنّه لم يتسم بطابع «الصراع» بين المشرق والمغرب الذي ما زال الكلام عنه رائجاً. فالمباراة لم تكن بين مشرق يعدّ نفسه في قلب العروبة ومغرب يشعر دوماً أنّه على أطراف هذه العروبة. ولم تكن المباراة أيضاً بين بلد معروف بـ «تطبيعه» السياسي مع اسرائيل وبلد معادٍ لسياسة التطبيع هذه، فالجزائر بعيدة قليلاً عن معترك الصراع الاسرائيلي - العربي، مثلها مثل المغرب وتونس. إنها باختصار مأساة الشعبين، المصري والجزائري، بل مأساة الشعوب العربية كلّها. شعوب تبحث عن انتصار ولو وهميّ، كي تشعر أنها موجودة حقاً، أنّها حاضرة وإن في ملعب كرة القدم. شعوب لم يبق لها سوى القليل من الفرص كي تجد نفسها، وكي تستعيد حلماً واحداً من أحلامها المكسورة. شعوب تحتاج الى أي انتصار كي تكسر الحصار الذي أوقعتها فيه الهزائم المتتالية، عسكرياً وسياسياً وعلمياً وتقنياً... إنها تحتاج الى لحظة انتصار تشعر فيها أنها عادت الى التاريخ ولو من بوابة كرة القدم.
لم يخلُ هذا العداء الذي نشب للحين بين شعبين عربيين كانا دوماً على توافق دائم، من أثر سياسي وإن لم يبدُ جلياً. اللعبة السياسية دارت في «الكواليس»، خلف واجهة الملعب الذي تبارى فيه الفريقان بل الشعبان. إنها اللعبة التي عرف صانعوها كيف يلتقطون خيوطها وكيف يوظفونها لمصلحتهم، سواء في الانتصار أم في الخسارة. فالأنظمة التي تحتاج شعوبها الى أي انتصار، تحتاج هي نفسها الى أي انتصار تلهي به هذه الشعوب. تحتاج الأنظمة دوماً الى شعارات وطنية وقومية وحتى «شوفينية» في أحيان، لتمنح شعوبها انتصاراً وإن كان وهمياً. وقد وجدت في ملاعب كرة القدم خير ساحة لاستعراض انتصارها أو هزيمتها، واستغلالهما على رغم كلفتيهما الباهظة.
جرت المباراة بين فريقين وشعبين ودولتين، وقد تكون جرت بين دولتين قبل أن تجري بين فريقين وشعبين. الشعب ليس مسؤولاً عن حماسته التي بلغت مبلغها من البغضاء والحقد والعداء المستميت، أما الدولتان فهما تتحملان جسامة ما حصل لأنّهما غضّتا الطرْف عمّا حصل قبل أن يحصل، وكأنهما كانتا تنتظران ما سيحصل. إنها لمأساة عبثية، بل ملهاة مأسوية لم يدفع ثمنها سوى الشعبين اللذين تبادلا أبشع التهم وأقذع «الشتائم» واللذين خرجا عن طورهما العروبي وعن أخوتهما وأديا لعبة الجزار والفريسة، دون أن يتّضح تماماً من هو الجزار ومن هي الفريسة. الدولتان ستتصالحان حتماً، وليست اللهجة القاسية التي تخاطبتا بها بُعيد المباراة سوى ضرب من الكلام المصطنع والمفتعل... أما الشعبان فلن يشفيا بسهولة من هذا الجرح الذي اندلع في جسديهما وروحيهما. وسيلتهب هذا الجرح غداً عندما تحلّ ساعة «المونديال» ويحتلّ الفريق الجزائري المشهد الذي يعتقد الشعب المصري أنّه كان مهيّأ لفريقه وحده.
البيان المشترك الذي وقّعه المثقفون المصريون والجزائريون كان مجرّد بيان، وقد كتبه هؤلاء ليقولوا إنهم ضدّ ما حصل ويدينوا حال العداء والعصبية المخزية. كتبوا هذا البيان في جريرة ما يسمى «رفع» العتب، وتبرّؤاً من هذا العداء المزري والحماسة الشوفينية والكراهية. ومثله كان بيان اتحاد الكتّاب المصريين، بيان مثالي لا علاقة له بحقيقة ما حصل، بجوهر حقيقة ما حصل. ولعله الكلام الوحيد الذي يستطيع أن يتفوّه به المثقفون في مثل هذه الظروف. فهم يعلمون أن كلامهم سيضيع سدى ولن يكون له أثر ولو ضئيل.
كيف يمكن إقناع شعب يستميت من أجل تحقيق انتصار واحد في ملعب كرة قدم، كيف يمكن إقناعه بأن خسارة مباراة ليست بمثابة هزيمة أخرى من هزائمه التاريخية؟ كيف يمكن إقناع الخاسر والمنتصر أن الانتصار والخسارة هنا ليسا إلا ضرباً من الوهم؟
لكنه الوهم الذي تحتاج إليه الشعوب ودولها أو أنظمتها لتشعر أنها موجودة حقاً، وأنها ليست محذوفة من خارطة العالم حاضراً ومستقبلاً.





