Related Nodes:
لوغو اقتصاد [1]
كان يمهّد لقمة كوبنهاغن للمناخ أن تكون الحدث، أو الاجتماع الوزاري لمنظمة التجارة العالمية في جنيف (اليوم). كان يمكن لتطوّر العملات والذهب والنفط أن تتصدّر الحدث الاقتصادي، لكن تداعيات طلب «دبي العالمية» إرجاء تسديد ديون لها لستة شهور، تقدّم ليوقظ العالم من حلم انتهاء الأزمة المالية والاقتصادية، ويلفت «قمة مجموعة العشرين»، إلى أن إصلاح النظام الاقتصادي بأدواتٍ تقليدية، لا يحقق نهوضاً مستداماً بل يقظات متقطعة محفوفة بالأخطار.
لم تشذّ فقاعة العقارات في إمارة دبي، عنها في الولايات المتحدة أو في إندونيسيا والصين والهند ودول الاتحاد الأوروبي أو أية بقعة في العالم. مؤسسات المال تدعم النمو العقاري وتكفل المؤسسات والأشخاص في استثماراتهم التي تنطوي على أخطار، تغافلت عن تأثيرها مؤسسات التصنيف العالمية، حتى إذا تعثّر تسويق العقار وقعت في قبضة الإفلاس. الإمارة الصغيرة «غامرت» أكثر، رؤوس أموالها رمالٌ ذهبية وشاطئ وأمواج تعرف كيف تستفيد من دفء الشمس وتبني سياحة مميّزةً على مدار السنة.
المشكلة في دبي لا تنحصر في جهةٍ مسؤولة، بل في أنظمة مصرفية ومالية دولية أولاً ومحلية ثانياً تخطت مقاييس الانضباط المالي ومؤسسات الدولة المسؤولة، لتسهم في شكلٍ أساسي ومغامر في فقاعة العقارات، حتى أن اكتتاباتٍ تفوق خمسة بلايين دولار كانت تتحقق في طرحٍ واحدٍ وخلال ساعات.
ليس صحيحاً أن الحكم، أي حكمٍ، يقود السوق. السوق تقود الحكومات، وتحمّلها عبء أحلامٍ وتصورات لا يدركها منطق، لكن من دون المغامرات لا يتحقق نمو أو عمران وتقدم، إلى أن تتدخل قوانين التوازن وتضبط الاختلالات.
ديون دبي لا تتجاوز ثُمْنَ خسائر «ليمان براذر»، المصرف الأميركي الذي هز انهياره أقوى الاقتصادات المتقدمة، ومع ذلك لم تخفق الدول المتضررة والمصابة بالهلع من احتواء التداعيات، وتخفيف ترددات الهزات المالية الكبرى التي تتوالى خصوصاً بين المصارف الأميركية. ومع تضامنٍ إقليمي ودولي يمكن لدبي أن تتجاوز التأخير في تسديد الديون المتعثرة.
فالإمارة التي قادها الطموح، ولو احياناً الجامح أبعد من الخيال، طمعاً باصطناع نموذجٍ اقتصادي فريد في العالم، خذلتها أولاً الأزمة الاقتصادية العالمية التي جفّفت الاستثمارات في مشاريعها العملاقة، الزاحفة فضاءً وبحراً بعد أن التهمت الصحراء. ومع تجفيف مستنقع السيولة وتالياً الاستثمارات، بدا واضحاً أن أمراً ما سيحدث. تجفيف السيولة أوقف تسويق منتجات الاستثمارات العقارية، هذا القطاع الذي يمثل ثلاثة أرباع النشاط الاقتصادي في الإمارة، التي كانت لا تملك سوى الرمال الظمأى إلى نهوض أبنية وجاداتٍ وحدائق وأقنية ماء وشواهق، وارتواء من مناهل الخيال والابتكار.
إمارة دبي وغيرها من مكوّنات دولة الإمارات العربية المتحدة تتقدمها أبو ظبي، ومثل أي دولة من دول مجلس التعاون الخليجي تتقدمها المملكة العربية السعودية، فتحت مجالات العمل أولاً إلى مواطني دول المجلس، وإلى مواطني البلدان العربية في الإجمال، ومن ثم الآسيويين والأوروبيين والأميركيين وغيرهم. واستثمرت على غرار دول مجلس التعاون، في مشاريع متطورة في البلدان العربية الأخرى وفي بلدانٍ أجنبية، وكانت لها، كما لبلدان مجلس التعاون الفضل في نهضة تلك البلدان، من خلال المشاريع العمرانية.
تحتاج إمارة دبي حالياً إلى تضامن خليجي وتالياً عربي وعالمي. فقد تواجه، ليس فقط خسائر مادية، بل منافسين أيضاً يستغلون فرص الضائقة المالية للاستثمارات، ليرسخوا مناخات استثمارٍ في مناطق جديدة، ويستفيدوا من اهتزاز الثقة، التي على الإمارة استعادتها وترسيخ أساساتٍ لها أقوى بكثير من أساسات الأبراج الطموحة والأبنية العملاقة الخارجة من بطن الأساطير.
في عدد خاص أصدرته «لو موند» الفرنسية بعنوان «دول الخليج: نهضة عربية» (شباط – آذار 2009) تناولت واقع تلك البلدان، وفي المقدمة: «من دون شك المشاريع مدهشة: جسور، مرافئ، مطارات، أبراج، فنادق، متاحف، مدن إيكولوجية، الأمراء لا يتوقفون عن الحركة. رمز هذا النجاح المتكبر برج دبي حيث يتمثل جنون الهندسة، بارتفاع يلامس ألف متر. لكن منذ أن بدأت الأزمة العالمية تصيب محفظات الخليج المالية، تباطأ كل شيء، بما فيه الاستثمار في بناء البرج الجديد. معجزة أم سراب؟ ماذا بعد الأرقام والإحصاءات، عما أحدثه هذا النجاح الاقتصادي، الذي غيّر أنماط الحياة والعادات والتقاليد والحضارات؟».
معجزة أم سراب؟