Related Nodes:
121412b.jpg [1]
121413b.jpg [2]
فجأة بدأ شاب «معوق» يظهر في الحي. ليس زائراً، وليس حديث عهد بالمكان. فقط بعض الجيران القاطنين في العمارة نفسها كانوا يعلمون بوجوده، وإن كانوا نادراً ما يصادفونه. الحي كله جديد، لذلك من السهل التعرف الى القادمين الجدد والغرباء، ولهذا ارتأت أسرته ألا يظهر أمام الآخرين قدر ما استطاعت قضاء حاجاته داخل البيت.
كان مختلفاً. «شديد الاختلاف» تقول أخته متألمة. أطرافه بها اعوجاج، وحركته متشنجة، ورأسه لا يستقر على وضع، وفمه مائل إلى جهة الخد الأيسر، لكنه كان يدرك ما يحيط به، ويعبر ببعض الكلمات لكنه يفضل غالبية الوقت الاحتفاظ بها لنفسه، لأن لا آذان صاغية لما يقوله. في وقت لاحق، لما تقدم في العمر نحو سن المراهقة، صار لا يبقي كلماته أسيرة صدره. صار يطلقها، ولا يتوقف عن تكرارها حتى تخترق الآذان وتطوع الرافضين. كان يريد الخروج من سجنه.
كمال يتلهف لأن يستمتع بالهواء الطلق، بضوء النهار، وبصخب الحياة الذي يسمعه من وراء نوافذ المنزل. أحجمت الأم عن تلبية الطلب «الصغير»، ووجد الأب نفسه مجبراً على دفع الكرسي المتحرك الى الشارع في وضح النهار. «عيون الناس لا ترحم وألسنتهم لاهبة من كثرة الأسئلة»، قال الأب، بيد أن كمال الذي انعكس ظل ضوء الشمس على وجهه المصفر، كاشفاً استرخاء عضلات وجهه كان يستمتع بوقته. بدأت النزهة قصيرة جداً، والأب يهرول دافعاً الكرسي المتحرك للإفلات من نطاق الحي والمعارف، ثم صار الوقت خارج البيت يمتد بالأب وابنه.
تغلبت إرادة كمال على الخوف من نظرة المجتمع، غير أن الكثير من أقرانه لا يملكون الإرادة، أو أن أسرهم تتحكم في إرادتهم.
أخصائية تأهيل الأشخاص المعاقين حركياً في مستشفى مدينة سلا قالت إن الإعاقة تحول دون إدراك المعوق لحاجاته المختلفة، بينما تعتقد الأسر أن «أقصاها هو رعايته الطبية والمنزلية وإبعاده من المجتمع المؤذي بنظرته القاسية». وفي كثير من الأحيان، تحاول الأسر تخفيف معاناة الإعاقة عن أفرادها وعن نفسها، عندما تحول دون اندماجهم الأولي في المجتمع، «عندما نخفي معوقاً، فإننا نشجع المجتمع على رفضه وإقصائه»، توجز هذه الاختصاصية تجربتها المهنية التي خاضتها في الخدمة العامة، وأيضاً في الخدمة الخاصة في منازل معوقين فضلت أسرهم عدم «عرض إعاقتهم على الملأ».
ويقبع عدد كبير من المعوقين حركياً وذهنياً في زوايا بيوتهم، منطوين على معاناتهم بعيداً من العالم الخارجي. فعلاوة على نظرة المجتمع «المشفقة القاسية»، ثمة نظرة تحمل الشعور بالعار من الشخص المعوق، وتحكم عليه بقسوة أفظع، إذ يتعرض عدد منهم للإهمال والتخلي عنهم في مؤسسات رعاية غير مؤهلة، بعضها عبارة عن ملاجئ تبنى في الأضرحة في الضواحي، حيث يتعرضون لكثير من ممارسات الشعوذة.
والمشكلة أن عدد المعوقين بمختلف أشكال الإعاقة كبير، وأعدادهم متزايدة بسبب ارتفاع ضحايا حوادث السير. فكل أسرة مغربية من أصل أربع أسر معنية بالإعاقة، وهناك أكثر من مليون ونصف مليون معوق في المغرب (5.12 في المئة إلى حدود ايلول/ سبتمبر 2004)، أكثر من نصفهم في سن نشيطة ولا مكان لهم في سوق العمل التي تلفظهم بمعدل خمس مرات أكثر من أقرانهم الأسوياء. أما فرص الزواج فهي ضئيلة بالنسبة الى الفتيات مقارنة بالذكور، ما يبرز أن المجتمع حينما يتقبل الإعاقة، فإنه يفضلها ذكورية.
وقبل أن تأتي نتائج هذا البحث الوطني حول الإعاقة المنجز بدعم من منظمة المعوقين الدولية والاتحاد الأوروبي كانت التقديرات أعلى بكثير: 10 في المئة من المغاربة معوقون، أي أن عددهم يتجاوز ثلاثة ملايين، وهو التقدير الذي يرجحه كثيرون، ويصرون على رفعه في وجه الدولة والمجتمع، على خلفية أن المعوق في المجتمع المغربي غير مقبول اجتماعياً، «عيب وعار»، ولذلك فهو «غير مرئي» بالضرورة، وغير معلن عنه من أسرته أولاً، ومقصى من الحياة العامة، بدءاً بالمسالك الخاصة به في الطرق والبنايات، إلى الدراسة والتكوين والرعاية الطبية والعمل والزواج.
لذلك تظهر الحاجة الى تحديث المعطيات حول الإعاقة في المغرب، لأجل وضع استراتيجية تكفل عناية كاملة بالأشخاص المعوقين وتوفير خدمات القرب لهم، ففي بداية الشهر الجاري وقعت الحكومة المغربية اتفاقية إطار للشراكة مع المنظمة الدولية لتحيين التحقيق الوطني الأول المنجز قبل خمس سنوات.
غير أن الصورة ليست قاتمة إلى هذا الحد، فهناك نشاطات وطنية حكومية وأهلية يبرز فيها الاهتمام بالشخص المعوق وحقوقه وإمكاناته، ومن اللافت أن بعض هذه النشاطات يبرز الطاقات الهائلة والمشرفة التي يملكها المعوقون، مثلاً في مجال الرياضة حيث للمغرب أبطال عالميون وأولمبيون في أنواع رياضية عدة، ومع ذلك، تظل معاملة هؤلاء من المجتمع والدولة موسومة بتقصير كبير إزاء تحقيق العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص لتمكينهم من حياة اجتماعية كاملة وكريمة.