1969: سنة ارتفاع الجسد البشري... خيوط تربط "وود ستوك" وحرب الفضاء
أحمد مغربي الحياة 2004/07/19
سنة الوصول الى القمر. ما الذي كان يجري على "الارض". انها ايضاً سنة التمرد المذهل الذي اجتاح شبيبة العالم, مغيِّراً الموضة والثياب وقصات الشعر والموسيقى والرقص وغيرها. تغيرت كلياً نظرة الشباب الى جسده والعلاقة معه. طالب الشباب بحياة لاجسادهم لا يهددها "الخوف الذري" الذي كان متحكماً في الكرة الارضية عبر الحرب الباردة بين معسكري الرأسمالية والاشتراكية. رفض الحرب في فيتنام. رفع شعار "لنصنع الحب لا الحرب". لم يكن من المستغرب ان يترافق كل ذلك مع تغير جذري في النظرة الى الجنس. قبل العام 1969, لم تكن اهواء الجسد وميوله صاخبة في الالحاح على الحضور في الحياة اليومية والتحول الى جزء من الثقافة اليومية.
 |
| كيف نقرأ آثار أقدام الانسان على تربة التابع المنير؟ |
ويعطي حفل "وود ستوك" نموذجاً عن هذه الميول. وفيه اجتمع شبيبة من اميركا والعالم في منتجع لأيام كرست للرقص والسلام والجنس والماريغوانا وموسيقى الروك وما اليها. الارجح ان 1969 هي سنة صعود الجسد بامتياز في الخيال العام للبشر. هل لذلك علاقة مع صعود جسد الانسان لكي يسير على يابسة غير يابسة الارض, للمرة الأولى في التاريخ؟
ربما ان العلاقة بين "وود ستوك" والاجساد المتفلتة, وانفلات جسد علم الفضاء الى القمر اكثر من خيط. لنبـدأ بالقصة الاكثر شيوعاً. في العام 1961, حلّق السوفياتي يوري غاغارين في الفضاء. غاغـارين اول جسد انساني وصل الى الفضاء الكوني. التقط الرئيس الشاب جون كينيدي قفاز التـحدي, واعلن ان الوصول الى القمر هو الهدف التالي في سباق الفضاء.
يقوم شبه اتفاق على الفوز الاميركي بقصب السباق في الفضاء, مع وصول المركبة "ابولو-11" الى القمر. لماذا اهتمت الدولة الكبرى بسباق الفضاء؟ في تحليله للهيمنات التي تحوزها الدولة, رأى الأنّاس الفرنسي الراحل بيار بورديو, ان الهيمنة على العلم, وادعاء القبض على نواصيه, هي اشد ما تهتم به الدولة الحديثة. ومال بورديو الى القول ان ادعاء الدولة انها تتملك العلم يمثل اقوى ادعاءاتها, واشدها مكراً وخفاء, لاسباب لا يتسع المجال لشرحها. في انجاز الوصول الى القمر, برهنت اميركا انها الدولة الاكثر اقتداراً في العلم. اكدت تفوقها على الخصم السوفياتي. زرعت "الخطوة الصغيرة" لنيل ارمسترونغ على التراب الواهي للقمر, صورة اميركا المتفوقة, والعالية في المعنيين المباشر والرمزي. انها "فوق"... فوق ارض البشر. مع "ابولو-11" صار خيال اميركا صنواً لخيال التفوق في العلم وسواه. ساهمت هذه القوة, التي كلها في خيال الناس وتفكيرهم, في تفتيت الاتحاد السوفياتي, باكثر مما فعلت الاسلحة الذرية والنووية. والحال ان الحرب الباردة لم تحسم بالقنابل. سقط الاتحاد السوفياتي فيما لا يزال "متمتعاً" بقوة صواريخ نووية تفوق كل ما على الارض. كل ذلك لم يحمه من قوة خيال صورة الغرب باعتباره الاكثر تفوقاً. لنتأمل مجدداً في انجاز القمر. في صورته خيوط الحرب والسلم والخيال والجسد وغيرها. وكل تلك خيوط مفتوحة بين "وود ستوك" والقمر.
|