رائد الفضاء السوري محمد فارس: الأرض أجمل من القمر بكثير ومستعد لتكرار التجربة والتكنولوجيا تعزز فرص نجاح مشروع غزو الفضاء...
حلب الحياة 2004/07/19
أثار قرار الرئيس الأميركي جورج دبيلو بوش المضي في مشروع غزو الفضاء الذي بدأه سلفه رولاند ريغان تساؤلات عدة لدى الرأي العام العالمي. ورأى رائد الفضاء السوري محمد فارس ان تطور التكنولوجيا راهناً, وبخاصة ما يتعلق منها بعلوم الفضاء, دفع باتجاه استكمال المشروع وعزز من فرص نجاحه. وشدد على إيلاء الجانب الإنساني منه الأهمية التي يستحق لخدمة السلام والأمن الدوليين.
 |
| غاغارين أعطى الاتحاد السوفياتي سبق المشي في الفضاء عام 1961. |
وقال محمد فارس لــ"الحياة" ان فكرة الاستغناء عن الأرض واستيطان الفضاء قابلة للتحقيق "نظرياً" بإيجاد ظروف الحياة المواتية "من خلال مدن فضائية في المدارات القمرية يعتمد تأسيسها واستمرار نبضها على ما تقدمه نتائج الأبحاث في مختلف العلوم الفضائية والحيوية... لكن ما الجدوى من صرف مبالغ طائلة جداً في سبيل انجاز هذا العملاق لاسكان الآلاف من البشر ولدينا أجمل مركبة في الكون مهيأة لاستيعاب الجميع, وهي الأرض, بما توفره من سبل السعادة والرخاء إذا أحسن استغلال مواردها وتوجيه طاقات أبنائها في خدمتها"؟
ولعل رواد الفضاء أكثر تعلقاً بالأرض الأم بعد أن جربوا هجرها ولو فترة قصيرة, مقارنة بالعمر الافتراضي للإنسان. وهو ما يبدو جلياً في تصريحات جميع الرواد ودعوتهم الى التنحي عن فكرة الهجر. "علينا حمايتها من كل عوامل التخريب والتلوث سواء في الماء أو اليابسة أو الهواء, والسعي الى تجميلها بالروح الإنسانية المتعاونة ومن هجرها يدرك مدى روعتها وقيمتها", قال فارس.
واعتبر رائد الفضاء السوري ان المضي قدماً في استكمال مراحل مشروع غزو الفضاء, ولو بهدف استيطانه, محكوم بتحقيق نتائج عسكرية في اطار البرنامج العام له "لأن الهدف الأساس من انطلاقته الأولى عسكرة الفضاء لتحقيق السيادة عليه بمفهوم الرئيس ريغان بغية السيطرة على الأرض نتيجة لذلك. لكن التخطيط والتنفيذ لم يجريا في شكل جدي وعملي بسبب التكاليف المادية الباهظة التي يتطلبانها, ولا أعتقد أن الناحية العسكرية التي يضعها راسمو الاستراتيجيات العسكرية غائبة في أي خطوة من المشروع على رغم أننا لا نملك القرائن الكافية لإدانة ذلك, وبالتالي, لا يمكن الحكم بمدى صدقيتهم في الجنوح نحو السلم, مع الإشارة الى دأب الولايات المتحدة الدائم على اطلاق الأقمار الاصطناعية التي تدعم تفوقها العسكري على الأرض".
وأشاد بخبرة الخبراء الروس وباعهم الطويل في مجال علوم الفضاء, وهو ابن المدرسة السوفياتية سابقاً. وقال: إنه لا يمكن الاستغناء عن خدماتهم حتى بعد تدمير المحطة الروسية "مير" في آذار (مارس) 2001 "لأن مساهمتهم في صنع محطة الفضاء الدولية تعدت نسبة الـ75 في المئة", على رغم أن زميله رائد الفضاء الروسي الكسندر لا فيكين الذي كان موجوداً على متن "مير" أثناء التحام مركبته "سيوز TM-3" بها في تموز (يوليو) 1987 يعترض على هذا الدور "الهامشي" المتكل أساساً على التمويل والقيادة الأميركيين.
وأعرب محمد فارس (عميد ركن) عن حزنه و"أسفه العميق" لتدمير المحطة مير "التي
 |
| رواد ''أبولو 11'': من اليسار نيل أرمسترونغ ومايكل كولينز وادوين الدرين. |
كان في إمكانها أن تعمّر أكثر من ذلك لو توافر لها الدعم المادي اللازم لبقائها على قيد الحياة, وشعرت وقت تحطيمها بأن جزءاً حميماً فقد مني, إذ قضيت فيها أياماً فضائية كافية لتحتل مساحة كبيرة من ذاكرتي وهي تعادل سِفراً طويلاً من حياتي ولا يمكن مقارنتها بالأيام الأرضية على رغم مشاقها التي تزيد من إلفتها".
وعن الدور الصيني بعد محاولته تحقيق "اختراق" في مجال الفضاء أشار الى تشابه التجربة الصينية مع نظيرتها الروسية ملمحاً الى امكان الاستفادة منها عبر التعاون بين البلدين. واكتفى لدى سؤاله عن إمكان قيام قطب صيني مواز لذاك الأميركي في مجال غزو الفضاء بقوله: "رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة", منوهاً بأن أوروبا الموحدة قد تشكل نداً حقيقياً للولايات المتحدة في مشاريعها الفضائية بتوافر التمويل اللازم مع وجود خبرة كافية لتحقيق ذلك.
وعن الدور العربي المستقبلي في علوم الفضاء, قال متنهداً: "بعد نقاش مستفيض في مؤتمرات عربية متخصصة عدة في هذا المجال شكلنا ما يسمى بمشروع وكالة الفضاء العربية منذ ثلاث سنوات وهو لا يزال ينتظر في مقر الجامعة العربية التمويل والدعم العربيين, والأهم من ذلك الإرادة السياسية, وآمل أن يرى النور في المدى المنظور".
وعما إذا كان مستعداً للمغامرة برحلة فضائية برفقة عائلته بهدف استيطان الفضاء إن توافرت الظروف الموضوعية لذلك, قال: "افعل ذلك مضطراً للحفاظ على حياتي وحياة عائلتي إذا تعرضت الأرض لظرف قاهر يهدد الحياة على سطحها, وما عدا ذلك أفضل الحياة عليها لأنها أجمل بكثير من مدن الفضاء المستقبلية".
وأوضح رائد الفضاء السوري انه قضى سنتين في التدريب استعداداً لرحلته الفضائية في مدينة النجوم قرب العاصمة موسكو بعد ان اختير من بين عشرة من زملائه الطيارين السوريين من جانب وفد روسي حضر الى سورية لهذه الغاية: "اجتزت مجموعة من التدريبات والاختبارات وانطلقت رحلتنا المؤلفة من ثلاثة رواد فضاء, اثنان منهم روسيان, والتحمت مركبتنا بعد يومين بالمحطة الفضائية "مير" لتستمر الرحلة ثمانية أيام أجريت خلالها 13 تجربة علمية منها سبع في الطب الفضائي وثلاث في تكنولوجيا التعدين الفضائي, اضافة الى تجارب جيوفيزيائية وفيزيائية فلكية ودراسة لموارد الأرض الطبيعية من طريق الاستشعار عن بعد". ولفت الى ان الجزء من الدراسة الأخيرة الخاص بسورية طُبّق في سورية على مدى السنوات الماضية واستثمر لتنعكس نتائجه الايجابية على استثمار الموارد الطبيعية فيها.
يذكر ان الهيئة السورية للاستشعار عن بعد هي الجهة العامة المسؤولة عن المشاركة والتنسيق للرحلة الفضائية مع الجانب الروسي لتدريب طيارين سوريين في إطار التعاون الفني والعلمي بين سورية والاتحاد السوفياتي (سابقاً), واختير الطيار السوري منير حبيب للتدريب أيضاً كعضو احتياطي بعد نجاح محمد فارس في الاختبارات المؤهلة لرحلته التي عدّها محطة مهمة في حياته, مبدياً استعداده لخوض التجربة من جديد لو عرض عليه ذلك.
|