"بلوغرز" سبقوا التلفزة...وأضخم تجربة عالمياً في التصويت الإلكتروني
أحمد مغربي الحياة 2004/11/8
اثناء متابعته الدؤوبة للانتخابات الرئاسية الاميركية, لاحظ المعلق الشهير وولف بليتزر ان ثمة تناقضاً مثيراً بخصوص ولاية كاليفورنيا, التي تملك اكبر عدد من الاصوات لولاية مفردة في اميركا. وأشار بليتزر الى ان الولاية صوتت لمصلحة الممثل ارنولد شوارزينغر حاكماً لها. ويشتهر شوارزينغر بميوله الجمهورية, مما يطرح احتمال ان تميل الولاية الى اعادة انتخاب الرئيس الجمهوري جورج بوش. ومع ذلك, فقد رجح بليتزر ان يأتي تصويت كاليفورنيا لمصلحة كيري, بالنظر الى الميول الليبرالية المعروفة عن تلك الولاية وسكانها.
خلايا المنشأ وأصوات كيري
شدد المعلق, الذي حاز شهرته اثناء تغطية شبكة "سي ان ان" لحرب "عاصفة الصحراء", على ميل مواطني كاليفورنيا لتأييد ابحاث خلايا المنشأ (الجذعية), والحق في الاختيار (الاجهاض), وحقوق الملونين والاقليات, وغيرها من المسائل التي تتصل بفكرة الدفاع عن الحريات المدنية العامة والشخصية. وشدد على ان شوارزينغر يؤيد هذه المواضيع كلها, على رغم انتمائه الى الحزب الجمهوري. وعلى لسان بليتزر وزملائه, تكرر اكثر من مرة ان مبادرة شوارزينغر بتخصيص موازنة ثلاثة بلايين دولار لأبحاث خلايا المنشأ, كما وعد خلال حملته الانتخابية, ترجح ان تذهب اصوات الولاية الانتخابية الى المرشح الديموقراطي جون كيري! ولم تتأخر النتائج الاولية لفرز الاصوات في تأييد استنتاج معلقي "سي ان ان" بأن خلايا المنشأ ستحمل اصوات كاليفورنيا لكيري.
يعطي الحدث السابق نموذجاً من مدى التداخل بين العلم والسياسة في الولايات المتحدة, النموذج الأقوى للدولة الحديثة. ثمة مثال قريب. لنتذكر ان جزءاً كبيراً من نجاح الرئيس الديموقراطي السابق بيل كلينتون جاء من فوران "الاقتصاد الجديد", اي التجارة الالكترونية والاقتصاد المعتمد على ثورة الكومبيوتر والانترنت والاتصالات. ولعلها اكثر من مصادفة, ان سوق "نازداك", الذي تؤلفه أسهم شركات الـ"هاي تيك", شهد انهياراً تاريخياً, لم يتخلص من آثاره لحد الآن, مباشرة قبيل انتهاء ولاية كلينتون. وساهم هذا الأمر في سقوط اسهم نائبه آل غور في انتخابات الرئاسة.
ولعل المثلين السابقين يظهران "الوجه المشرق" من موضوع التداخل بين العلم وبنية الدولة الحديثة. ففي المقابل, هناك الكثير من الوجوه السلبية. فمثلاً, يمكن القول ان العلم الحديث "ممسوك" من الشركات, وبالتالي فإن التداخل القوي بين العلم والدولة يعتبر بعداً آخر من التداخل بين الشركات الكبرى وبنية الدولة. اذن, لهذه المواضيع أبعاد اكثر تعقيداً مما يبدو على السطح.
"بلوغرز" وتصويت الالكتروني
شهدت ظاهرة "بلوغــرز" Bloggers, وهم مجموعات شابة تكتب مذكراتها مباشرة في الصفحات الالكترونية لمواقع متخصصة على الانترنت, توسعاً كبيراً. وغالباً ما يكتب هؤلاء الشبان ما يرونه وما يعيشونه من دون اي تزيين. وفي اليوم الطويل للانتخابات الرئاسية, تأرجحت الأمور والتخمينات كثيراً بين المرشحين بوش وكيري. وفي فترة بعد الظهر, اجمعت اقنية التلفزة على القول ان السيل الكثيف من التصويت يحمل الفوز الى المرشح كيري. ومالت غالبيتها الى تقديم استطلاعات تشير الى خسارة بوش. وخالفت مواقع "بلوغرز" هذا الامر كلياً. فمنذ الساعة الاولى لفترة ما بعد الظهيرة, كانت معظم مواقع "بلوغرز" الولايات المتحدة, مثل "ذي ناشيونال ريفيو كورنـــر" The National Review's Corner , و"درادج ريبورت" Drudge Report, و"ونكيتي.كوم" وWonkette.com , فوز الرئيس بوش.
وللمناسبة, فإن موقع "درادج ريبورت" يعتبر "الأب الروحي" لـ"البلوغرز" الأميركيين. واللافت انه اول موقع اعلن فوز الرئيس بوش بولاية ثانية, بساعات طويلة قبل ظهور النتائج الحاسمة! ولم يكن الجمهور الاميركي بمعزل عن التفاعل القوي مع مواقع "بلوغرز", وعجز بعضها عن تلبية هذا السيل المفاجئ عليها, فانهار, وتوقف لبعض الوقت. وسجلت صحف مثل "وول ستريت جورنال" و"واشنطن بوست" و"نيويورك تايمز" ان الكثير من المحللين الماليين في بورصتي "نازداك" و"وول ستريت" بنوا تحليلاتهم على المعلومات التي اوردتها صفحات "بلوغرز".
ولعل هذا الأمر مرشح للتفاعل في السياسة الأميركية. فبعيد الانتخابات, ساد حديث في الفريق الذي تابع الانتخابات الأخيرة مفاده انهم كانوا مخطئين عندما اعطوا وزناً كبيراً لتقديرات التلفزة عن سير الانتخابات لغير مصلحة الرئيس الجمهوري. هل تصبح صفحات "بلوغرز" الانترنت محط الانظار في الانتخابات المقبلة, فتخطف الاضواء من التلفزة؟ هل يصبح "بلوغرز" الاداة التي تمكن الانترنت من الامساك بصدارة الاعلام العام Mass Media , وازاحة التلفزيون عن ذلك المحل المكين؟
يعزز هذا الامر, ان الانتخابات الرئاسية, وهي الاولى في القرن 21, شهدت اول استخدام لآلات التصويت الالكتروني على نطاق واسع. وسجلت بعض الحالات المتفرقة من المشكلات في استخدام هذه الآلات. وفي المحصلة العامة, فإن أداءها بدا قوي الصدقية, بحسب تقويم مواقع علمية مثل "نايتشر" و"ساينس" و"نيو ساينتست" و"ساينتيفك اميركان" وغيرها. وقد اعربت معظم الجهات التي راقبت الانتخابات عن اقتناعها بأداء آلات التصويت الالكترونـــي. وأكدت اكثر من صحيفة اميركية أن انتخابات الرئاسة الأخيرة شكلت "اضخم تجربة عالمياً في التصويت الالكتروني".
قلق المجتمع العلمي الاميركي
علّق الموقع الالكتروني لمجلة "نايتشر" العلمية على فوز بوش بولاية ثانية. وشدد على ان الفوز ترافق مع تشديد قبضة الحزب الجمهوري على السلطة التشريعية, عبر حصوله على غالبية كبيرة في مجلسي الشيوخ والنواب, اللذين يؤلفان الكونغرس الاميركي. ومع نسبة تاريخية من التأييد الشعبي, بحصوله على 51 في المئة من الأصوات في الانتخابات الاشد كثافة في التاريخ الحديث لأميركا, باتت يدا الرئيس بوش طليقة حيال المشاريع العلمية والتشريعات المتصلة بها. ويسود المجتمع العلمي الأميركي القلق بخصوص القرارات التي قد يتخذها بوش في موضوعات شتى, ابرزها تجارب خلايا المنشأ (الجذعية), والتلوث البيئي المرتبط مع ارتفاع حرارة الارض, ومصادر الطاقة البديلة, وقوانين الرقابة على الانترنت وغيرها. فمن المعروف ان بوش يؤيد القول إن ارتفاع حرارة الارض لا يرتبط بمشكلة التلوث, وبالتالي يعارض فرض قيود على انبعاث الغازات من المركبات والمصانع, وذلك في سياق موقفه المعروف برفض ميثاق "كيوتو". وبالنسبة الى علماء البيئة الاميركيين, فإن الأمر الاكثر اهمية يتعلق بقانون الطاقة, الذي يتوقع ان ينظر فيه الرئيس والكونغرس, في مطلع السنة المقبلة. ويطلب القانون اموالاً فيدرالية لدعم ابحاث البيئة تفوق قيمتها بليون دولار.
وكذلك يميل بوش الى تعديل قانون حماية الانواع المهددة (1973), بأثر من ضغوط شركات الأخشاب!
وفي خصوص تجارب خلايا المنشأ, يحتمل ان يواجه وضعاً صعباً نتيجة اقرار ولاية كاليفورنيا قوانين متسامحة حيال تلك التجارب, في سياق مشروعها لدعمها بمبلغ 3 بلايين دولار. كيف سيحل الرئيس التناقض بين السلطات الفيدرالية المركزية من جهة, ومبادرة سلطات ولاية كاليفورنيا, في مشروع يشغل بال المجتمع العلمي الاميركي؟ الحال ان خلايا المنشأ تعتبر النقطة الأكثر سخونة في ابحاث علوم البيولوجيا, التي يتوقع ان تتسيد المشهد العلمي للقرن 21. وثمة بعد اقتصادي لا يخفى في أبحاث خلايا المنشأ, التي تعد بايجاد علاجات لأمراض مثل باركنسون والزهايمر والسكري والاعضاء البديلة وغيرها.
amoghrabi@alhayat.com
|