خلاف على تأثير مضامينها ... تناقضات أغاني الأطفال ... من البهجة البريئة الى «ذبح الطيور»
بانة بيضون الحياة - 03/05/07//
تبدأ رحلة المرء مع الموسيقى بإيقاعات لا يفهمها، منها ما يخيفه ومنها ما يبعث لديه الراحة والأمان، كصوت الأم تغني تهويدة ورثتها عن امها، او أخرى اخترعتها من وحي اللحظة. والرضيع لا تعنيه الكلمات التي لا يفهمها بل نبرة الصوت ودفء ذراعي أمه اللتين تحملانه إلى أرض الأحلام. ويرى الأب الدكتور يوسف مونس، الاختصاصي في علم الأنثروبولوجيا، ان ما يميز تهويدات الاطفال أمران: بساطة النغم الذي لا يتعدى الثلاث نوتات وقدرة هائلة على التخيل والتصور تنبع من عفوية الأمومة وعطائها.
وفي تحليله لإحدى التهويدات المعروفة والمثيرة للجدال: «نام يا حبيبي نام لاذبحلك طير الحمام، يا حمام لا تزعل عم بضحك عإبني تينام»، يرى مونس ان هذه التهويدة، تعتمد على الكذبة البريئة لحض الطفل على النوم عبر ذبح الحمام. فعلى رغم قساوة كلمة الذبح وعنف الصورة التي ترافقها، تعبّر التهويدة عن بيئة وتراث شعبي محددين. فلا بد ان الحمام كان أغلى ما يمكن ان تقدمه الأم لإبنها، وبالتالي أن تذبح الحمام لينام طفلها هو تعبير عن حبها له، كما يقول. وفي الحقبة التي راجت فيها هذه الأغنية، لم تكن الأم تشتري اللحوم من السوبرماركت، بل كانت تذبح الدواجن بنفسها، ما يجعل فعل الذبح إحدى المهمات المنزلية اليومية.
ويشير مونس إلى ان البيئات المتقاربة تنتج تهويدات متشابهة من حيث الإيقاع والمعاني، وأن الإيقاع، مثلاً، هو أول ما يتعلمه الطفل عن بيئته المباشرة وعن وطنه أيضاً. وهو الأمر الذي يعزز حسه بالإنتماء، كتأثير إيقاع الطبول في أفريقيا وآلة القُربة (بايبر) في اسكوتلندا.
التماهي مع العنف
وتلفت بيللا عون، وهي معالِجة نفسية، إلى أن التهويدات أو الاغاني التي تنطوي على عنف ووحشية تصل إلى حد ذبح الأطفال، كأغنية العيد: «بكرا العيد ومنعيد ومنـذبح بقـرة السيـد. والبقــرة ما فيها دم، منذبح بنته هالشقرا والشقرا ما فيـها دم، منـذبخ إختها وبنت العم». وهذه ومثيلاتها تحفز الخوف والعدائية لدى الاطفال الذين يستوعبون هذه الكلمات بحسب معناها الحرفي، وليس ما تحمله من تقاليد موروثة. أي أن الذبح، حسبما يـفهم الطفل هو ذبح فـعلي لا «كذبة بريئة». وهو، في هذا السياق، لتهديد الطفـل وتخويـفه ليـنام، كما تقـول عون التي ترى في مضمون الأغنية ممارسة خاطئة تربوياً، فثمة احتمال أن يتحدى الصغار خوفهم عندما يسمعون الكلمات، أو يتماهون مع العنف الذي تصفه.
 |
| كاريكاتير لأحمد الخطيب |
وتضيف المعالِجة النفسية ان هذه الصور تقيم في الذاكرة طويلاً. وعندما يرى الراشد بقرة مذبوحة، يتذكر ذلك الشعور الأولي بالخوف، ما يدفعه، أحياناً، إلى إغماض عينيه كرد فعل لحظي.
بين البساطة والسخافة
طفل يغني ويرقص يعني أنه سعيد. فهل الاطفال هم في حاجة اكثر من الكبار إلى الموسيقى؟ وأي دور تلعبه في حياتهم وأي شروط يجب ان تستوفي أغانيهم لتناسبهم وتعبّرعنهم؟ يجيب أحمد قعبور، وهو ملحّن وصاحب تجربة طويلة مع الأطفال، أن «على اغاني الصغار ان تحمل قبل كل شيء قيمة جمالية وإنسانية. والتوجيه والتعليم والإرشاد هي من شؤون الأسرة والمدرسة، بينما مهمة الاغنية والمسرح التواطؤ مع الاطفال في تساؤلاتهم واختراق عوالمهم وهمومهم. وفي هذا السياق، ليس لزاماً على موسيقى الاطفال ان تعبر فقط عن البهجة والفرح، فحتى في عالمه الصغير، يعيش الطفل تجارب مأسوية، وتشغل باله اسئلة وجودية، تعصى على الكبار».
ويستعيد قعبور من ذاكرته اول يوم لإبنه في المدرسة، إذ رأى في عينيه البريئتين، معاناة حقيقية جراء الخوف من الإنفصال عن أبويه. وبالطبع، ذلك لا يعني ان نزيد من هذه المأساة عبر الإمعان في تسليط الضوء عليها، «لكن علينا ان نعبر عن شجون الاطفال وتساؤلاتهم، وعن رغبتهم في التمرد على أهلهم، باسلوب يحترم قدرتهم على الاستيعاب ومعايير الجمالية، ويلبي حاجتهم إلى الترفيه والتسلية، من دون أن نتوخى البساطة والاستسهال».
ويشرح قعبور وجهة نظره، مستعيناً بحسن العبدالله، الشاعر والروائي الذي كتب أكثر من قصة للأطفال، قائلاً: «البساطة ليست بسيطة، ففي افلام ديزني، على سبيل المثال، هنالك اوركسترا ضخمة تعزف الموسيقى ويستعينون بملحنين ومغنين كبار. لكن يبدو أن في مجتمعاتنا العربية ثمة رابطاً بين البساطة والسخافة». ويشكو قعبور من الإنتقادات التي طاولت اغنية «علّوا البيارق علّوها وغنّوا للعيد»، من تأليفه وتلحينه، بحجة ان المقام الموسيقي للاغنية «يتضمن ربع صوت، ويصعب على الأطفال إنشاده. إلا أن الصغار أثبتوا العكس وغنّوها بإتقان».
ولا يوافق قعبور على أن تنقل الاغاني قيماً مختلفة لكل من الذكور والإناث، فهو لا يفرق بين الجنسين، «فالشجاعة ليست حكراً على الذكور، كما أن العطاء لا ينحصر في الإناث». ويرجح ان يكون السبب وراء هذا التفريق، في الأغنية، «هو أن معظم من أخرج ولحّن هم ذكور، لا يرون في المرأة سوى قيمة الأم او الحبيبة، دون سواها من قيم تنشدها الأنثى في حياتها».
في المقابل، يؤكد يوسف مونس أن قناعاته ليست من وجهة نظر ذكورية، إلا أنه يؤمن بأن العطاء الأكبر للمرأة في الحياة هي أمومتها، وأما عطاء الوالد فهو أقل أهمية بكثير، وعلى الأغاني، تالياً، أن تحفز جرأة وشجاعة الصبي كي يدافع عن كرامته وعن شرف المرأة التي يحب، أي ان نصنع منه هذا الفارس المقدام، ونصنع من الفتاة أميرة جميلة تنتظر ان يأتي ذلك الفارس، ليتزوجا فتصبح أماً تربي، بدورها، فارساً مقداماً».
مشاهير المغنين والأطفال
ولم يعد مستغرباً، في هذه الأيام، ان نرى طفلة في الخامسة، مثلاً، تغني وتتمايل كهيفاء وهبي، أو تتدلّع كنانسي عجرم، أو صبي يتشبه بمغنين أجانب، مثل نيللي، أو فيفتي سنتس، أو سنووب دوغ، أو غيرهم من مغنيي الراب. وترى بيللا عون في تماهي الصغار مع المغنيين، «نقصاً او خللاً ما في الأسرة وفي النمو الطبيعي للطفل وتطوره، فالطفل، قبل المراهقة، يتماهى مع اهله: الفتاة تتماهى مع امها والصبي مع ابيه. فإذا اختارت الفتاة ان تتماهى مع إحدى المغنيات بدلاً من أمها، فإما لأن والدتها تتماهى مع تلك المغنية، وإما لأن الفتاة تفضلها على أمها. ويُعزى هذا إلى نقص ما في حضور الأم او ثقتها بنفسها». وتوضّح عون أن المشكلة الفعلية في «الأنا» لدى الاطفال، «وهذه الأنا لأطفال دون العاشرة من عمرهم غير منفصلة عن ذويهم، وبالتالي، هم يستمدون هويتهم من هوية أهلهم. فإذا وجدوا في المغني أو المغنية «بديلاً من الأم او الأب، تبقى الأنا مشوّشة والهوية غامضة، ما يؤثّر في استقرارهم النفسي حاضراً ومستقبلاً».
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بحسب عون، إذ «ينبغي النظر في القيم التي تنقلها تلك الأغاني (ومن يؤدّيها) إلى الأطفال. وإلاّ أصبح، على سبيل المثال، إتقان فن الاغراء معياراً لتفوق الأنثى، والجريمة صنواً للذكر، تماهياً مع بعض أغاني الرابْ الرائجة، حيث البطل رئيس عصابة مهيمن، تحيط به الحسناوات كالجواري».
وتقول عون: «بعض يحفز مشاعر جنسية سابقة لأوانها، لا يفقهها الطفل ولا يعرف كيف يتعامل معها. وهو أمر يفضي إلى كبت تظهر أعراضه بطرق مختلفة كالعدائية، والتراجع في المدرسة، واضطراب في علاقة الطفل مع جسده وفهمه خصوصيته».
وتشير إلى اعتقاد بأن استغلال الأطفال حتى في الأغاني المصورة، «يمكن أن يحفّز الميل الجنسي الشاذ إلى الأطفال. وقد نتساءل عمّا إذا كانت الأغنية المصورة «بوس الواوا» لهيفاء وهبي، جزءاً من لعبة الإغراء الجنسي. ففي الفيديو كليب، تلعب هيفاء وهبي دور الام الحنون، فما الحاجة، إذاً، إلى الملابس الداخلية والإيحاءات من خلال تعابير الجسد والوجه، بينما تكون المؤدّية بمفردها مع الطفل. فنانات أخريات كررن التجربة نفسها في أغانيهن المصوّرة، وقابل فيها العري الجسدي للمغنيات العري الجسدي للأطفال. بيد أن المشكلة ليست في العري نفسه (الذي يظل ضمن حدود الإيحاء)، إنما في السياق الذي وُضع فيه، ما يشكّل انتهاكاً لخصوصية جسد الطفل». وتتأسف عون لهذه الظاهرة، «فالموسيقى من اهم الوسائل التي يكتشف من خلالها الطفل إيقاعه الخاص عبر التمارين النفسية – الحركية، فيصبح مستقلاً ويتعلم ان يحمي جسده ويحبه».
|