الحل المغربي يبقى أقل عنفاً من "الاحتجاز الوقائي"!
المغرب - ياسين عدنان الحياة 2004/07/3
يبدو أن المغاربة غير مقتنعين بأن هناك علاقة بين الجريمة والشرف, فلا شيء يبرر الجريمة مهما كانت حجة مقترفها. هذا تأكد بالخصوص من ردود أفعال المغاربة بمن فيهم الإسلاميون من تفجيرات 16 أيار (مايو) التي تعرضت لها الدار البيضاء العام الماضي. كان هناك إجماع على أن مثل هذه الجرائم غير مقبولة مهما كانت خلفياتها. والشاعر القديم الذي قال: "لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى حتى يُراق على جوانبه الدم" لم يكن مغربياً. فالمغاربة, على رغم أن أحداث 16 أيار زعزعت ذلك بعض الشيء, يبقون مسالمين عموماً بطبعهم ومتسامحين إلى حد كبير. صحيح أن بعض التقارير الدولية التي ترصد جرائم الشرف في المجتمعات العربية والإسلامية تضيف المغرب إلى لائحتها على سبيل الاستئناس في الغالب, لكن الأمر لا يشكل ظاهرة في هذا البلد كما هي عليه الحال في بلدان عربية أخرى. فلا أحد يضع المهددات بجرائم الشرف رهن "الاحتجاز الوقائي" كما أن قانون العقوبات لا يبالغ في تضخيم حجة "فورة الغضب" للتخفيف من شروط العقوبة.
ربما في الثمانينات من القرن الماضي, كانت هناك جُنَح شرف من النوع الخفيف. فتية جبارون يجرجرون أخواتهم المراهقات وحتى العوانس في أزقة الحي بعد ضبطهن مع شباب بملامح غامضة في المنعطفات المريبة. آباء صارمون, بسبب وشايات قد لا تكون صحيحة دائماً, يأخذون وقتهم الكافي لإعطاء بناتهم المتهورات علقات محترمة قبل أن يقرروا حبسهن في البيت لأيام أو أسابيع. وأحياناً يقررون توقيفهن عن الدراسة ليصير السجن مؤبداً بانتظار ابن الحلال. لكن أبناء الحلال قلُّوا في السنوات الأخيرة بسبب ظاهرة العزوف عن الزواج, وصار الآباء حتى الأكثر صرامة يفهمون أن على بناتهم بذل بعض الجهود لمغادرة العنوسة التي عادة ما يدفع ثمنها الآباء قبل غيرهم خصوصاً حينما تكون البنات عاطلات عن العمل أيضاً.
لا شك أن للعلاقات المفتوحة التي تسود المجتمع المغربي دوراً كبيراً في تجاوز هذه الظاهرة لأن نظام الرقابة تراجع كثيراً بسبب الانفتاح المجتمعي. صار عادياً في المغرب أن يطرق الزميل باب زميلته في المدرسة أو الجامعة. أحياناً يذاكران معاً في بيت أحدهما وقد يذهبان إلى أحد مقاهي المذاكرة من دون أن يجد أحد حرجاً في ذلك. وحتى في الشغل, تعتبر الزمالة بين الجنسين مقبولة اجتماعياً, بل من العادي أن يوصل الزميل زميلته إلى البيت من دون أن يثير ذلك استياء أحد. بل حتى الأزواج عموماً يقبلون تعامل زوجاتهم مع زملاء ذكور ويتعاملون في شكل طبيعي مع كل التماسات الناتجة من هذه الزمالة. هذه العلاقات المفتوحة لها دور أساس في تكريس العلاقات بين الجنسين باعتبارها طبيعية, مما يخفف من حدة الرقابة وآليات الاستشعار التي تجدها يقظة جداً في مجتمعات عربية محافظة أخرى, بل وبجحافل من المتطوعين المستعدين لتقديم الوشايات الكفيلة بتخريب ديار وتشريد أسر لوجه الله طبعاً. فهم عموماً لا يريدون من وراء ذلك جزاءً ولا شكوراً. وفي حالات الانحراف, حينما تسوء سمعة البنت ويتكرر دخولها متأخرة إلى المنزل ليلاً لتصل إلى الحي والبيت روائح فضائحها الأكيدة, فإنك نادراً ما تسمع عن جريمة تتلو الفضيحة. الحل المغربي يبقى أقل عنفاً من حكاية "الاحتجاز الوقائي" وأكثر تعقلاً. فما يحصل عادة هو الطرد من البيت, وأحياناً تختفي البنت من تلقاء نفسها. فحانات طنجة والبيضاء ومراكش وأغادير وعلبها الليلية مليئة بهذه النماذج. تقول منى (22 سنة) وهي من بنات ليل مراكش: "كنت على علاقة مع أحد الشباب, فقدت بكارتي في هذه العلاقة وتخلى النذل عني. أخبرت أمي وأختي بالحكاية. لكن أختي وبعد خصومة صبيانية بيننا فضحتني أمام والدي وإخوتي. لذا وخوفاً من العواقب هربت من البيت. بعد أشهر اتصلت بهم لأخبرهم أنني عثرت على عمل في مراكش في أحد الفنادق. والآن أعود إلى البيت سنوياً كل عيد أضحى. أقضي العيد معهم وأساهم بما تجمع لدي من مدخرات. أبي وإخوتي الذكور لا يكلمونني, وأنا لا أكلم أختي الصغرى. لكنني مع ذلك أشعر بسعادة بالغة في جو الأسرة على رغم أنني أعيش هذا الجو لأيام فقط وفي أجواء مشحونة في الغالب".
لقد تغيرت الحياة كثيراً. هناك تحولات في الأسرة والمجتمع بسبب العصر وقيمه الجديدة, بسبب الفضائيات ورياح الغرب التي تهب علينا يومياً, وبسبب المسلسلات المكسيكية التي صارت حياة بطلاتها الكاسيات العاريات, العاشقات المعشوقات, المخلصات الخائنات تمارس تأثيراً مذهلاً في المراهقات. فهل سيواجه نشامى الوطن العربي المعصومون من الخطأ هذه التحولات بحمل سيوفهم ومطاردة بناتهم وأخواتهم الضالات؟ سيكون الأمر دونكيشوتياً بالتأكيد. والواقع أن دونكيشوت بدوره لم يكن مغربياً.
|