بيل غيتس يعتبر المنهج التربوي «متخلّفاً» ... «وباء صامت» ينهش مستقبل التعليم في الولايات المتحدة
دينا جوني - ميشيغان (الولايات المتحدة) الحياة - 21/09/06//
الولايات المتحدة دولة عظمى، لكنّها عاجزة عن وضع نظام تعليمي يلبي طموحات ملايين الطلاب، بدلاً من دفع نحو 30 في المئة منهم، سنوياً، الى التخلي عن التخرج هرباً من «منهج مضجر فارغ»! فالتسرّب المدرسي لعنة تعانيها البلاد، منذ ما يزيد على 30 عاماً.
وتشير دراسة صادرة عن «معهد مانهاتن» ان من بين 3.5 مليون تلميذ وصلوا الى الصف الثامن عام 2003 – 2004 (أي بداية المرحلة المتوسطة)، تسرّب منهم مليون تلميذ. تركوا مقاعد الدراسة، قبل ان يكملوا السنوات الاربع المتبقية للتخرّج. وعجز مليون تلميذ، تتراوح اعمارهم بين 16 و25 سنة، عن الحصول على الشهادة الثانوية (هاي سكول)، ويمثل السود وذوو الأصول الاسبانية (من بلدان أميركا الجنوبية) 45 في المئة منهم، مع الاشارة الى ان نسبة التسرب المدرسي في الولايات المتحدة، تفوق نسبته في اليابان، بست مرات!
مشهد تربوي قاتم
وتتفاعل كل الآفات الاجتماعية والاقتصادية لتشكّل خلفية قاتمة لمشهد التسرّب المدرسي المتواصل. وتشرح كايث غرال، مدرّسة اللغة الانكليزية في معهد هنري فورد الجامعي، بعض اسباب التسرّب المدرسي: «التلميذ الاميركي غالباً ما يكون ضحية ظروف اجتماعية صعبة، كحالات الطلاق المتزايدة، أو العائلة «المنقوصة» نتيجة غياب الأب، لأسباب كثيرة. وإذا حالفه الحظ ونشأ في كنف عائلة متماسكة، لا ضمانة أكيدة ليلعب دخل العائلة السنوي دوراً مؤثراً في تقرير مصيره». وتؤكد ذلك أرقام «المركز القومي للاحصاءات التربوية». ففي العام 2001، بلغت نسبة التسرّب المدرسي نتيجة الدخل العائلي السنوي المتدني 10.7 في المئة، مقابل 5.6 في المئة للدخل المتوسط، و1.7 في المئة للدخل المرتفع.
عقدة الغباء!
و«تزداد اسباب التسّرب المدرسي سوءاً من مدينة إلى أخرى»، تقول غرال. ففي ديترويت، معقل الاميركيين الافارقة، يواجه من حظي بفرصة الاستمرار في المدرسة عقبات من نوع آخر. وتشرح غرال: «المعلمة هناك قد تمارس كل أنواع الوظائف ويكون آخرها التعليم. فهي مضطرة إلى لعب دور المصلحة الاجتماعية في مجتمع لم يتوصل احد الى اصلاحه. وفي حالات اخرى، هي مرشدة تربوية عليها ان تعرف كيف تنتشل التلامذة من فكرة «اننا اغبياء»، نتيجة عقم المنهج التربوي»! لكن الاخطر من ذلك، كيف يمكن لمدرّسة ان تأتي كل صباح الى مدرسة هي اشبه بالثكنة، يحيط بها حراس مسلّحون، ويخضع كل تلميذ للتفتيش خوفاً من ادخال الاسلحة. وتتنهد غرال طويلاً، من وطأة الأزمة: «هنا، المدرسة تصلح لكل شيء الاّ... للتعليم!»
وتبين احدى الدراسات ان في ثلاث مدن كبرى، يتخرّج من مدارسها أقل من 40 في المئة من التلامذة، وهي ديترويت 21 في المئة، بالتيمور 38.5 في المئة ونيويورك 38.9 في المئة.
الضجر رفيق الطالب
و«الضجر» من أبرز الدوافع إلى التسرّب في المرحلة الثانوية. ويقدّر أن 47 في المئة من التلامذة الذين تركوا الدراسة عام 2004، أفادوا بأن الصفوف لم تثر اهتمامهم، وهي مضجرة إلى درجة يتعذّر عندها الاستمرار. ويأتي «الغياب عن صفوف كثيرة» في المرتبة الثانية، ونسبته 34.5 في المئة. اما «الاضطرار إلى العمل» فيحتل المرتبة الثامنة في جدول الاسباب والدوافع بنسبة 27.8 في المئة.
وتشير دراسة اخرى الى ان 38 في المئة من الطلاب المتسرّبين اعتبروا ان من الاسباب التي دعتهم إلى ترك المدرسة هو انها تقدم «الكثير من الحرية والقليل من القوانين»! واعترف 74 في المئة من المتسرّبين بأنهم سيعودون مجدداً الى مقاعد الدراسة، إذا سمحت لهم الظروف بذلك.
والوصول الى المعهد الجامعي لا يعني التخلّص من لعنة التسّرب المدرسي. وتشير دراسة «التسرب المدرسي: وباء صامت»، التي انجزت لمؤسسة «بيل وميليندا غايتس»، ان ثلث عدد التلاميذ الذين انهوا دراستهم الثانوية فقط هم مؤهلون للانتساب إلى الجامعات والمعاهد العليا. وبقية الطلاب من اصحاب الدخل المتدني والاقليات عالقون بما اختاروه من مواد دراسية فشلت في تحضيرهم للجامعة والعمل وحتى للحصول على الجنسية!
وينتقد بيل غايتس، عبر موقع المؤسسة الالكتروني، المنهج التربوي الاميركي ويصفه بـ «المتخلف»، مشيراً إلى ان التلامذة الثانويين يحتلون المرتبة الأخيرة في مادتي الرياضيات والعلوم مقارنة بطلاب الدول الصناعية الأخرى.
حلول ضائعة
وعلى رغم الأموال الطائلة التي تُصرف سنوياً لتطوير المناهج الدراسية في الولايات المتحدة، لم يطرأ اي تغيير على المشهد التربوي. والمبالغ التي خصصتها الحكومة للمدارس الثانوية، 54.4 بليون دولار في 2007، تزيد بنسبة 5.5 في المئة (أي نحو 3.1 بليون دولار) عن العام الحالي. ومقارنة بحصّة الثانوي في 2001، بلغت الزيادة 12 بليون دولار، أي بنسبة 29 في المئة.
«اين يذهبون بكل هذه الاموال بوجود كل هذا التسّرب المدرسي؟»، تسأل غرال، ثم تستدرك: «حان الوقت للولايات المتحدة ان تترك دول العالم تهتم بشؤونها، لتلتفت الى مجتمعها الذي يطفو على بركان خامد من المشكلات الداخلية».
نتائج كارثية
ويؤكد عدد من الخبراء الاميركيين ان عدد المتسّربين من المدارس سيتزايد حتى 2020... الا اذا حصلت معجزة. وإلى حين حصولها، تؤكد دراسة «الوباء الصامت» ان اميركا ستواجه، في 2020، عجزاً في اليد العاملة من حملة الشهادات الجامعية يبلغ 14 مليون شخص.
|