قصة حبّ ... «أعمى»
الحياة - 27/09/07//
بعد عـــزلة دامت ثمــــانية عشر شهراً من العذاب، تحــــرّرت مكّة، وهي امــــرأة من غــــرب دارفور، من معانــــاتها ووجــــدت لنفسها العزاء.
كانت مكة في الرابعة والعشرين حاملاً بولدها الثاني، تعيش مع ابنها وزوجها عمر، وهو أعمى، عندما أصيبت بناسور الولادة، وانقلبت حياتها رأساً على عقب.
عانت مكّة تعقــيدات خلال توليد طفلها الثاني. وبعد مخـــاض عسير دام ثـــلاثة أيــــام، قررت القابلة (الولاّدة) في قرية كابكابية، إرسالها إلى عيادة في زيلينغي التي تبعد 50 كيلومتراً، للحصول على المساعدة اللازمة.
بقيت مكّة على قيــــد الحياة ومات وليدها. لكن مأساتها لم تنـــتهِ، فــــبعد أسبوعين على الولادة، أخذ بولها يســــيل من دون إرادة. ولــــم تكن تعرف ما الذي يحــــصل لها. ولم يكن أحد في القرية قد ســــمع بناســور الولادة. فنبذها الجميع بسبب رائحتها، وانقـــلبت حياتها جحيماً.
وعلى رغم إعاقـــته، رفض زوجها عمر الأعمى أن يخضع لضغوط أفراد عائلته وعائلتها الذين ظنّوا أنه مرض من القدر، يستحيل علاجه، وطلبوا منه أن يهجرها. لكنّه ردّ طلبهم. وعلى رغم المصاعب، قرر ترك القرية وأخذ زوجته المريضة، مع ابنهما، إلى مستشفى في الفاشر، حيث يجري الأطباء جراحة للناسور، كما أشار إليه طبيب في زيلنغي.
ركب عمر ومكّة وابنهما عربة يجرّها حمار، وشقّا طريقهما إلى المستشفى السعودي في الفاشر، شمال دارفور، الذي يبعد 165 كيلومتراً. وكان موسم الأمطار، والمسافة التي يستغرق قطعها ساعتين في ظروف عادية، طالت ثلاثة أيام وسط الوحول وأخطار الطقس الرديء، والنزاعات الدائرة في المنطقة. وتعرّضوا مراراً للسرقة، ولسبب افلتت مدّخراتهم من قبضة السارقين.
وبعد سنة على تلك الأيام العصيبة والمرّة، احتفل عمر في حديقة المستشفى، مع زوجته وابنهما، بشفاء مكّة من الناسور، ومعافاتها تماماً. وتشكر مكّة الله على نعمه، لأن زوجها لم يتركها ولازمها طوال معاناته. ويثني عمر بدوره على زوجته الطيّبة التي يحتاج إليها لتربية ابنهما. ثم دبّر أمر عودتهم إلى القرية، بعد موافقة الأهل.
وتقضي التقاليد في أجزاء من السودان، وخصوصاً في دارفور، بأن يهجر الرجال زوجاتهم المصابات بالناسور أو يطلّقوهن، كما يؤكّد آبو حسن آبو، وهو جرّاح كبير متخصص في ناسور الولادة في السودان، (وهو صاحب ثاني أكبر مستشفى للناسور في العالم، بعد أثيوبيا).
وثمة رجال، ولو قلّة، يتحدّون العادات والتقاليد ويلازمون زوجاتهم، مهما طال انتظار العلاج، عاقدين الأمل على استعادة حياتهم الطبيعية. وهذه حال رشيد، الذي عبّر في مركز آبو للناسور، في الخرطوم، عن أنه اختار ألاّ يترك زوجته، فهي شريكة حياته، على مدى عشرين عاماً. وقرّر أن يلازمها حتى إذا فشلت العملية.
عمر ورشيد هما من القلائل، في السودان، الذين يقفون بجانب زوجاتهم المصابات بالناسور، حفاظاً على العائلة. والتوعية الهادفة إلى تغيير مفاهيم اجتماعية خاطئة، هي السبيل الوحيد لزيادة اهتمام الرجال بصحة الزوجات، كما يشير علي الفاشر، الجراح في المستشفى السعودي.
|