www.daralhayat.com     2008/09/08     03:58 GMT

ابحث عن

بحث متقدم

?????? ?? ???PDF
TheDaleel.com

مقاتل من الصحراء
موسوعه
"مقاتل من الصحراء"





برنامج "مدرسة الحياة"

old.alhayat.com

 

حكاية سعاد الفلسطينيّة التي أحرقت حيّة

منال نحاس      الحياة     2003/11/22

لا يبقى من حياة آلاف النساء اللواتي يلاقين حتفهن سنوياً على يد أقرب الرجال إليهن, في ما يعرف بجرائم الشرف, سوى نتف أخبار ترد في صحف بلادهن أو أرقام تدرج في جداول إحصائية. سعاد نجت من الموت بفضل جاكلين الناشطة في منظمة "أرض البشر". تروي سعاد أنها سمعت من ثغرة في الحائط, والدتها تأخذ في المجلس العائلي الذي عقده والدها مع صهرها دفة الكلام قائلة: "لا نستطيع الطلب من أخيها التخلص منها لأنه صغير السن, ولن يقوى على ذلك". فطمأن الصهر حماته, وزرع الرعب في صدر سعاد ابنة السابعة عشرة.

وفي تلك الليلة, فارق النوم سعاد, وراحت تسأل نفسها إن كان ما سمعته حقيقة, أم حلماً, أم كابوساً. وفي اليوم التالي, طلبت والدة سعاد منها الاهتمام بغسل الملابس لأنها ستقصد سوق المدينة مع والدها. أشعلت سعاد النار لتسخين المياه, وجلست في باحة المنزل تنتظر حتفها. ابتسم صهرها حسين لها, وسألها عن حالها, وقال لها مبتسماً: "سأعتني بك". شكرته سعاد, ولم تعتقد أنه سيقتلها. فجأة أحست سعاد بمادة باردة على رأسها, واشتعلت, وبدأت تركض بهلع في الحديقة, وتضرب شعرها لإطفاء النار, وقفزت عن حائط الحديقة, ووقعت في الشارع حيث وجدتها سيدتان, وأخذتاها إلى نبع القرية لإطفاء النار. فقدت سعاد الوعي من شدة الألم, ومن رائحة احتراق جسمها. في المستشفى الذي نقلت إليه, لم تتلق سعاد أي إسعافات أولية أو عناية طبية, ولم يقدم لها أي طعام أو شراب. ونزعت الممرضة ثوب سعاد الملتصق بجلدها المحترق بشدة شلتها من الألم, وأعلنت قرفها منها. ولا تعرف سعاد عدد الأيام التي قضتها في الغيبوبة. وذات يوم, استيقظت على صوت والدتها تبكي إلى جوارها, وتشتكي من مجيء الشرطة إلى بيتهم. وقربت الأم الباكية كوباً مليئاً بمادة سامة الى فم ابنتها المحتضرة, وطلبت منها شرب المادة. وقبل ان تهم سعاد بالشرب دخل الغرفة طبيب, ورمى الكوب على الأرض. في تلك الليلة, أعطت سعاد الحياة الى ابنها مروان من دون مساعدة طبية. أخذ الطبيب الوليد بعدما سمع صراخها, ووضعه في ميتم. وكما نجحت جاكلين في مساعدة سعاد, نجحت هذه الأخيرة في العثور على الطفل, وفي تسفيره بصحبة والدته.

كانت سعاد رغبت بشدة بالزواج الذي سيسمح لها بالتخلص من منزل والدها القاسي. فطلبت من ابن جيرانها ان يتقدم لخطبتها, فوعدها هذا الاخير بالزواج إن هي سمحت له بالتقرب منها. لم تكن ابنة السابعة عشر تعرف ان ما فعله ابن الجيران بها يكلّف غالياً. فجسدها المخفي تحت رداء فضفاض وسروال كان غامضاً بالنسبة إليها كما توضح في كتاب "كيف أحرقت حية" الصادر هذا العام عن "دار أو" في لوزان.

وفي سويسرا, خضعت سعاد إلى أكثر من ثماني وعشرين عملية جراحية. وفي المرة الأولى التي رأت فيها سعاد ممرضات يرتدين تنورة تكشف عن ساقي الواحدة منهن اعتراها الخوف, وصرخت, وحذرتهن من حتمية تعرضهن للقتل بسبب كشفهن أجزاء من أجسادهن. تماثلت سعاد للشفاء, ولزمت الصمت وقتاً طويلاً لأنها لا تتكلم إلا العربية. وكانت تتواصل مع الفريق الطبي بواسطة الإيماء. تبنت أسرة سويسرية سعاد وابنها, واستقبلتهما في منزلها أربع سنوات. تعلمت سعاد الكلام بالفرنسية, وتعلمت مبادئ القراءة في مدرسة مختصة مدة ثلاثة أشهر. وتجد هذه الاخيرة صعوبة في استعادة حوادث حياتها السابقة في تلك القرية الفلسطينية القريبة من القدس المحتلة. فالأيام تمر متشابهة, ولا تحدد بالتواريخ, أو بأعياد الميلاد, أو بذكرى المناسبات. وتعجز سعاد عن تذكر اسم شقيقتها التي تصغرها بسنة. فهذه الشقيقة قتلت على يد أخيها في المنزل العائلي, وطوي أمر وفاتها كأن شيئاً لم يكن. فقيمة النساء في قرية سعاد تقل عن قيمة الأبقار, كما كان والدها يردد طيلة الوقت. ولم تتوان والدة سعاد عن وضع قماش صوفي على وجه مولودة أنثى لها لتتخلص منها.

اليوم, وبعد ما يقارب خمسة وعشرين عاماً على إضرام النار بسعاد تزوجت هذه الأخيرة في بلد أوروبي, وأنجبت فتاتين, ووجدت عملاً في معمل.