بعضهن يضعنه في صالات الحفلات منعاً لتصويرهن ... «ازدواجية» في ارتداء اليمنيات الحجاب
صنعاء - علي سالم الحياة - 13/12/07//
من يلتقي فاطمة في مقر نقابة الصحافيين اليمنيين، قد لا يخطر على باله أن هذه الفتاة البشوشة الجميلة والواثقة يمكن أن ترتدي البرقع. قليلون يعرفون أن موظفة السكرتاريا تحمل حجاباً في حقيبتها، تسحبه ما إن ينتهي الدوام، لترتديه.
يمنيات كثيرات بتن يبدين سلوكاً «مزدوجاً» حيال الحجاب. ففي مقار عملهن يبقين حاسرات الرأس، يتعاطين بتلقائية وطلاقة مع زملائهن، ومن بينهن من تتصف بالجرأة والحزم. مثالهن زهرة التي لا تكتفي بممازحة زميلاتها وزملائها، بل أنها لا تشعر بالحرج من أن تدخن في حضورهم. وهذا أمر نادر بين اليمنيات المدخنات. لكن أياً من زملاء زهرة قد لا يتعرف اليها إذا صادفها، على بعد أمتار من مكان العمل، وذلك بسبب «البالطو» الذي يحجبها عن عيون زملائها وزميلاتها.
وحتى سنوات قليلة، لم يكن معروفاً غير نوعين من النساء: اللواتي يتحجبن في شكل دائم، وأخريات يبقين وجوههن مكشوفة. وثمة نساء، ممن يرتدين «الشرشف اليمني»، يبقين «الخنة» (أو الخمار) مرفوعةً.
ومع التغيرات التي بدأ يشهدها المجتمع اليمني، منذ تسعينات القرن الماضي، ترافق «الاندفاع» نحو الحجاب مع أنماط سلوكية حضّت صاحباتها إلى ارتداء الشرشف أو «البالطو»، لا سيما في المناطق الجنوبية. فعلى رغم انحسار سطوة الجماعات الدينية المتشددة، قياساً على ما كانت عليه في الشمال، قبيل قيام الوحدة، خصوصاً في صنعاء، تقف عوامل كثيرة، وفي شكل واضح، وراء ظاهرة «ازدواجية التحجب بين اليمنيات». والأرجح أن صلف الشارع، وبخاصة عنفه اللفظي، يُعتبر من أبرز أسباب اللجوء إلى الحجاب.
وفاطمة، السكرتيرة، لم تكن لـ «تستعين» بالحجاب، لو لم تواجه مضايقات كثيرة، وصلت في أحيان كثيرة، إلى تعرّضها لملاحقة شبّان وأشخاص غرباء، حتى منزلها. وتوضّح أنها كفّت أخيراً عن ارتداء الحجاب، بعدما تزوجت، وأصبح زوجها يتولى مهمة إيصالها إلى مكان العمل.
والواقع أن إزعاج الشارع لا يقتصر على الشابات أو العازبات فسحب، بل أيضاً يطاول المتزوجات. فالنساء المعروفات في الشأن العام، مثل الممثلات والمطربات وغيرهن من العاملات في القطاع الفني ومذيعات التلفزة، يضطر بعضهن إلى الاستعانة بالحجاب، اتّقاءً لمضايقات محتملة، لا سيما أن نظرة «الجمهور» لا تزال تعيب عمل النساء في هذه المجالات وتقرنها بـ «الانحلال».
وبحسب سعاد حيدر الراقصة في فرقة الرقص الشعبي، لا تقتصر مثل هذه النظرة على عامة الناس، بل هي تنتشر في أوساط العاملين في مجالات الثقافة والإعلام، أي بين «زملاء المهنة».
وكانت حيدر قدمت شهادة جريئة، أثناء نشاط اجتماعي عام، ولكنّها لا تزال تضطر إلى ارتداء الحجاب، حين يتعلق الأمر بـ «مواجهة الشارع».
وراجت إشاعات مفادها أن تصوير النساء في صالات الأعراس بواسطة كاميرات فيديو، ظاهرة أو «مدسوسة»، في القاعة هو مصدر لصور تلتقط وتولّف في «شرائط خلاعية». وهو الأمر الذي حمل كثيرات على التحجب حتى في صالات الأعراس. ومن بينهن من تفعل ذلك أثناء الحفلة فقط.
ويقع بعض الأجنبيات المقيمات في اليمن تحت ضغط «هاجس الشارع». وباستثناء الأجنبيات المسلمات المحجّبات، ثمة أجنبيات يبدين الاحتشام في ملابسهن، ولو من طريق تغطية الرأس فقط.
واحتمال التحرش بالأنثى غير المحجبة ما زال كبيراً. وهو أحياناً يصدر من صبية وصغار السن، من بين الذين ينشؤون على ثقافة خاطئة، فضلاً عن طبيعة التربية الأسرية.
وكان الشرشف الذي يعتقد أنه دخل اليمن مع الاحتلال التركي، أول ما لفت انتباه الفرنسيتين آن ايزامبرت وفلورنس كيسلر اللتين أمضتا أسبوعاً في اليمن، ضمن برنامج تطبيقي لدراسة اللغة العربية. وذكرت الفتاتان أن «المدينة ستكون أجمل، لو خلت من الشرشف». ولاحظت الصبيتان الغرابة المتبدية على عيون المارة «المحدقة» فيهما، والتفوه بألفاظ نابية، و «لعّلهم يعتبروننا غير محتشمات»، كما قالت إحداهما.
وكانت المضايقات التي تتعرض لها بعض نساء الجالية الصومالية قادت كثيرات منهن إلى التحجب. ومثل هذا يحدث مع نساء من الفئات المهمّشة، المعروفة باسم «الأخدام».
وحتى نهاية العقد الثامن من القرن الفائت، ظلت جامعة صنعاء مسرحاً لمضايقات تقع لطالبات كشفن عن رؤوسهن. ومثل ذلك كان يحدث أحياناً بتواطؤ من الحرس الجامعي. وأدى حينها انحياز التوجه الرسمي، إلى ترك الحبل على الغارب، وحدث أن اعتدي على طالبات برشّهن بـ «ماء النار» (سائل حمضي يحرق البشرة). ويشير عدد من الفتيات اللواتي يناهضن الدعوة إلى التحجب إلى أن الشرشف قد يستخدم في ممارسات سيئة، ومما يعزز قلقها إعلان الشرطة أخيراً القبض على لصوص متنكرين في شراشف.
|