موقع دار الحياة
:التجديد الأخير 14:03 GMT - 2008/10/06

حال الطقس في 101 مدينة






أكثر من 9 ملايين شاب وشابة يبحثون عن نصفهم الآخر ... الزواج في مصر يعصف بقواعد الرومانسية

القاهرة - أمينة خيري     الحياة     - 11/02/08//

التقارير المرعبة التي صدرت منذ بضعة أعوام عن الجهاز المركزي للتعبئة وأشارت إلى تفشي نسبة العنوسة بين شبان مصر وشاباتها لا تزال عالقة في الأذهان. ولمن نسيها فإن قصص الأهل والأصـــدقاء والأقارب عن فلان ابن فلانة الذي تجاوز الخامسة والثلاثين وما زال على العتبات الأولى من المنظومة المصرية المعروفة بـ «تكوين النفس» أو ابـــنة علان التي قاربت العقد الثالث من العمر وما زالت محرومة من لقب «مدام» حاضرة في كل الجلسات.

زواج الشبان والشابات من الطبقة الوسطى في الألفية الثالثة صار أقرب ما يكون إلى الجهاد الاجتماعي والمعاناة الاقتصادية المرة التي تمنع صاحبها من أن يجاهر بألمه خوفاً من القيل والقال. فالطبقة المتوسطة، على رغم اندثارها وتعرضها لهزات اقتصادية واجتماعية كبيرة، واضطرارها لخوض سلسلة طويلة من المعارك للبقاء في وسط الهرم الاجتماعي، وجدت نفسها معلقة بين السماء والأرض.

تقول منة الله حاتم (27 سنة): «أحياناً أنظر إلى ابنة بواب عمارتنا التي تزوجت قبل أسابيع من ابن بواب العمارة المقابلة بعين الحسد، فكلاهما تربى في غرفة ضيقة تحت السلم، وكلاهما حصل على شهادة متوسطة، ولم يكلف الفرح سوى أجرة بضعة مقاعد ومغن درجة ثالثة، وأقيم الاحتفال «المهيب» في الشارع، وانتقل العروسان للعيش في غرفة مماثلة في عقار ثالث يعمل العريس حارساً له، أما أنا، فأجد نفسي مضطرة إلى انتظار شاب يؤمن لي فرحاً لائقاً في فندق أو ناد محترم، إضافة إلى شقة زوجية معقولة في حي متوسط على الأقل. فأبي موظف كبير له شأنه، وأنا خريجة جامعية وأعمل في شركة كبيرة وليس من المعقول أن أرضى بأقل من ذلك، كما لا أستطيع أن أحلم بأكثر من ذلك لأنه غير وارد».

منة الله التي تنتمي إلى الطبقة المتوسطة المتألمة من موقعها في قلب الهرم الاقتصادي تعبر عن الملايين غيرها من الشبان والشابات المتمسكين، أو بالأحرى المضطرين إلى التمسك بتلابيب الشكل الاجتماعي والمكانة الاقتصادية، وهو أحياناً ما يدفع البعض إلى البحث عن مخرج غير تقليدي من مشكلة باتت مفرطة في التقليدية.

«لدينا: طبيبات مهندسات محاسبات ومدرسات. ومنهن من لديها شقة ودخل ثابت. لدينا أيضاً أطباء ومهندسون وضباط. ولدينا مجموعة منتقاة من مزدوجي الجنسية. اتصل على الرقم... لتحصل على شريك العمر».

الإعلان دفع «الحياة» للاتصال بالرقم وعلمت من الموظفة أن غالبية المتعاملين مع الشركة هم من أبناء الطبقات المتوسطة وما حولها. فالغالبية المطلقة تحمل شهادة جامعية وتبحث عن شريك لم تجده عبر قصص الحب والرومانسية بسبب تقارب المستويات الاقتصـــادية التي تقف حجر عثرة دون إتمام الزواج بالشكل «اللائق».

وتقول الموظفة إن «السرية» هي كلمة السر في نجاح عمل الشركة، فغالبية من يطلبون مثل هذه الخدمة، وخصوصاً الشابات، يحرصن على إبقاء الموضوع سراً، لأن المجتمع سيفسر لجوئهن إلى مثل هذه الطريقة للزواج بأنه فشل في جذب زوج بالطرق المعروفة وهو ما يعني أنهن بتن «عرائس درجة ثانية». الملاحظ أيضاً، بحسب ما تقول الموظفة المختصة- أن غالبية الفتيات المتقدمات تعدت أعمارهن الـ 29 سنة، وهناك من هن في الـ 35 وأكثر. وعلى رغم ذلك، تبقى شركات «وسائط الخير» التي تعتمد في عملها على الاستفادة من مصاعب الزواج المتزايدة بين الشباب المصري تعمل في حيز ضيق، وذلك لميل الغالبية إلى محاولة البحث عن شريك يحمل «شهادة ضمان». وتأتي «شهادة الضمان» تلك مع الزيجات التي تتم بمعرفة الأهل أو الأصدقاء، إذ يفترض أن يكون العريس أو العروس التي ترشحها المعارف مضمونة إلى حد ما، حتى وإن اتضح العكس بعد أشهر من الزواج.

يقول خالد حسن (32 سنة): «لو كان أحدهم اقترح علي زواج صالونات أثناء دراستي الجامعية أو حتى بعد تخرجي بعامين أو ثلاثة لاعترضت بشدة لاعتقادي حينئذ أنني لن أتزوج إلا بفتاة أقابلها وأختارها وأحبها بنفسي من دون مساعدات خارجية، لكن الأيام أثبتت أن هذا وهم كبير لمن هم في ظروف اقتصادية مشابهة لظروفي، فأنا لا أملك سوى راتبي الذي لم يسمح لي بعد بتأمين شقة زوجية وهو ما أعاق مشاريع الارتباط السابقة، وحالياً لا أمانع في الزواج من طريق تعارف ينظمه الأهل أو المعارف شرط أن تكون العروس على بينة في وضعي». ويشترط خالد في المقابل أن تكون العروس موظفة لتساهم في مصاريف البيت بعد الزواج لعلمه أن «يداً واحدة لا تصفق» في هذا الزمن.

شرط خالد ليس استثناء، إذ أثبتت دراسة أجرتها كلية الآداب جامعة حلوان العام الماضي أن ثلث الشباب في سن الزواج يفضل الارتباط بعروس موظفة لتساهم بدخلها في بيت الزوجية. وجاءت هذه الرغبة في المقام الثاني في شروط العريس بعد تحلي الزوجة بصفات الجمال وحسن الخلق.

مخرج آخر ابتكره أبناء الطبقة المتوسطة للتحايل على مصاعب الزواج وســــاهم في نجاحه تنامي التــيار الديني. ففي غالبية المساجد الكبرى في مدينة القــاهرة، لا سيما تلك التي تقدم خدمات ونشاطات اجتماعية، ظهرت خدمة «توفـــيق الرؤوس في الحلال»، إذ تتم من طريق السيدات اللاتي يحضرن الدروس الدينـــية وتعرف إحداهن أن ابن فلانة يبحــــث عن عروس فـــتوفق بينه وبين ابنة أختها مثلاً التي تجـــدها مناسبة له اجتماعياً واقتصادياً وأخلاقياً.

وتتسع الدائرة أحياناً لتتحول الـــخدمة من مجرد الـــتوفيق بين المعارف والأقارب إلى تقديم الخـــدمة لرواد المســـجد الآخرين.

تقول السيدة إيمان بكري (46 سنة) والتي نجـــحت في تزويج حفنة من أبناء زميلاتها وأقاربهن في المسجـد أن من مميزات مثل هذه الزيجات أنها تنتهج النهج الإسلامي الحـــقيقي في الزواج، «فــالدين الإسلامي الحقيقي ينهى عن المـــغالاة في الزواج، وهذا بالطبع عكس ما يحـــدث بين الغالـــبية إذ يطالب والد العروس العريس بشروط تعجـــيزية بهدف تأمين مستقبل ابنته، كما يطمح أهل العريـــس في عروس «متريشة» (غنية) تساهم في تخفيف الأعباء الاقتصادية عن كاهل ابنهم، وهو ما يعرقل الكثير من الزيجات ويساهم في تزايد نسبة العنوسة بين الجميع. لكن الزيجات التي تتم تحت مظلة المسجد تراعي مبدأ الابتعاد عن المغالاة وضمان حقوق العروس من منطلق ديني وأخلاقي بحت، لذلك تنجح الغالبية المطلقة منها».

مثل هذه النوعية من الزيجات تحدث كذلك تحت قباب العديد من الكنائس، حيث يتزوج الشباب المسيحي بفضل وساطة رجال الدين الذين يعرفون أبناء الرعية ويسهلون إبرام هذه الزيجات.

ويتساءل البعض بكثير من القلق عن مصير الحب والرومانسية اللذان كانا يوصلان أبناء الطبقات المتوسطة إلى زيجات ناجحة قبل سنوات غير بعيدة. وتأتي الإجابات مختلفة، فمنهم من يؤكد أن الحب والرومانسية أصبحا حكراً على الطبقات القابعة إما في قمة الهرم وإما قاعدته، إذ يساعد الثراء الفاحش وتوافر الإمكانات في إطلاق العنان للمشاعر لتقوم بدورها بحرية ومن دون تكبيلها بالتفكير في إمكان تحويلها إلى شقة زوجية ودخل يؤمن حياة معقولة، كما يساهم الفقر المدقع أيضاً في إطلاق المشاعر نفسها إتباعاً لمبدأ «ماذا يأخذ الريح من التراب؟» أو «ليس في الإمكان اسوأ مما كان!».

أما مبدأ الطبقة المتوسطة في بناء عش الزوجية بـ «طوبة فضة» هي الكفاح والعمل، و «طوبة ذهب» هي الحب والغرام فهو إلى زوال. وذلك في انتظار التحلل من القيود المزمنة المتمثلة في شبكة ذهبية لا تقل عن ربع كيلوغرام وشقة كاملة متكاملة وأجهزة كهربائية ومطبخ كامل على أحدث مستوى يمولها العريس الذي لا يملك سوى راتبه، هذا إذا كان لا يعاني أصلاً من البطالة. إضافة إلى فرش كامل لأربع غرف وخزانة ملابس كاملة من أرقى المحلات تمولها العروس، بحسب عادات وتقاليد الطبقة المتوسطة الآخذة في الرقص على سلالم الهرم الاجتماعي، على إيقاع العزف المنفرد لتسعة ملايين شاب وشابة تعدوا الـ35 سنة ويبحثون عن زيجة لا تعتصر قلوبهم وعقولهم وجيوبهم الخاوية.











  إتصل بنا  |  عن الموقع   أعلى الصفحة 

مجموعة الاتصالات الاعلامية  © 2007 Media Communications Group