في عُمان بدايته ونهايته حلال والعقدة في الوسط!
مسقط - محمد سيف الرحبي الحياة - 03/03/08//
 |
| صف «شبه» مختلط تجيزه سلطنة عمان في مرحلة تعليمية محددة (الحياة) |
يجر الطالب حقيبته للمرة الأولى في حياته في اتجاه المدرسة الحكومية. يتجه الى مقعده مفتتحاً مرحلة جديدة من تهيئته العلمية. الى جانبه تجلس تلميذة. طفلة صغيرة مثله. يشعر كل منهما بأنه يجالس غريباً، لكن عليهما الاعتياد على الأمر أربع سنوات، هي عمر المرحلة الأولى من التعليم الأساسي الذي بدأته عمان قبل أكثر من عشر سنوات، ولاقى حينها معارضة قوية من المتدينين الذين رأوا صدمة اجتماعية كبيرة. مع العلم أن الأسر المحافظة جداً، تلزم الفتاة بارتداء الحجاب أو ما يسمى في عمان «لحاف الرأس» من سن السادسة، وتبعدها عن زوار البيت من الرجال على اعتبار أنه لا يليق بالبنت دخول مجالس الرجال.
واحتاج المجتمع سنوات لاستيعاب جلوس البنت الى جانب الصبي في المدرسة. وتداول الناس حكايات الألعاب المندرجة تحت فكرة العيب وسرت الاشاعات والأحاديث والمتناقلة من لسان الى آخر. وكلما كبر عمر البنت والولد ازدادت حدة التصادم بين كائنين حملا معهما – حين ذهبا الى المدرسة – جينات التربية الاجتماعية والدينية التي لاحقتهما رغما عنهما، حيث الرجل رجل، والمرأة مرأة.
واللافت أن الاختلاط العماني بين التلاميذ والتلميذات له خاصية قد تكون فريدة على مستوى العالم، فهو «محلل» رسمياً في الصفوف الأربعة الأولى من المرحلة الابتدائية، بعدها يعود كل من الولد والفتاة إلى عزلتهما بعيدين عن بعضهما بعضاً، ليعودا إلى الالتقاء في المرحلة الجامعية. فخاصية الاختلاط تتلاشى بدءاً من الصف الخامس ووصولاً الى نهاية المرحلة الثانوية أو الشهادة العامة، وما تعنيه من مفترق طرق ليس على مستويات استكمال التعليم أو الذهاب الى الشارع في ظل نقص الوظائف الممكنة، بل على مستويات الاختلاط أيضاً. فالكائنان اللذان يشكلان المجتمع يعودان الى الحياة الدراسية معاً، وفي أمكنة عدة يسمح بها قانون التعليم غاضاً الطرف عن قوانين المجتمع. وتصبح الدراسة فرصة حلوة بحد ذاتها حتى مع مرارة الاختلاط. فيبدو الأمر وكأنه صورة كاريكاتورية قائمة على إبعاد كائنين عن بعضهما بعضاً ليكتمل نضج كل واحد على حدة في مرحلة المراهقة، ثم إعادة جمعهما في سنوات الدراسة الجامعية، حيث الاختلاط جزء أساسي من الحياة.
وشكلت بعض المؤسسات التعليمية في السلطنة المسار الأول على خريطة الاختلاط بين الجنسين، متحملة الشبهات والإشاعات عن علاقات «جنسية» بدت وكأنها ثمن بداية التجربة. حدث ذلك في المعاهد المتخصصة المتعلقة بالمصارف والتمريض. لكن في عام 1986 بدت التجربة واضحة للعيان، مع افتتاح جامعة السلطان قابوس ووضعها الشاب والفتاة تحت سقف قاعة واحدة. لكن الفصل تم داخلياً. مدرج للذكور، وآخر بمحاذاته للفتيات. وبينهما ممر بدا صراطاً مستقيماً يفصل ركني المجتمع المستقبلي.
ومع تنامي ثورة الاتصالات، فإن الجدار الفاصل ذلك اخترق بعشرات الرسائل النصية المتقافزة بين الضفتين تحمل من الكلمات ما يعبر عن ملل من المحاضر أو نكات أو حتى كلمات حلوة ترسم ملامح طريق آخر قد يوحد الكائنين لاحقاً.
واللافت أيضاً وجود ممرات «رجالية» وأخرى «نسائية» في الجامعة الحكومية الوحيدة في عمان، وهو ما لا يتوافر في الجامعات الخاصة التي دخلت قطاع التعليم من أجل أبناء المقتدرين الذين لا تخولهم محصلتهم النهائية دخول الجامعة الحكومية. وفي هذه الكليات لم تعد كلمة الاختلاط حاضرة أو مطروحة أصلاً في تحديد المستقبل الدراسي لعشرات الآلاف من الطلاب والطالبات في السلطنة. فعلى سبيل المثال لا الحصر، هناك مجموعة من الكليات التقنية التي يتداخل فيها الجنسان من دون شعور بأن هناك ما هو غريب على المجتمع في وقت يبدو التوجه الحكومي مشجعاً على إسقاط الفواصل بين الجنسين وتقديم صورة عصرية للمجتمع، مع حرية اختيار نمط الحياة الفردية بما في ذلك وجود المنقبات تحت سقف واحد مع بقية الطلاب من دون شعور بالغربة.
وفي المحصلة فان ثنائية ولد- بنت تعود في حساباتها الأخيرة إلى الأسر نفسها لتقرر وحدها ما يمكنها قبوله أو رفضه، فيما يبقى دور مراكز القوى الاجتماعية والدينية محايداً، على اعتبار أن الدولة إذا حسمت أمرها في هذا الاتجاه فهي ماضية فيه وللآخرين حرية الدخول من البوابات التي فتحتها للتعليم، أو البقاء في الخباء بانتظار فرصة ربما لن يجود بها هذا الزمان. فحركة الاختلاط واضحة جداً في الحياة العمانية، من مدارس وكليات وجامعات، وفي الحياة العملية. وبات واضحاً أن لا فائدة من الصرخات المطالبة بعودة المرأة إلى البيت لأن من يطالب بها هو أول المستفيدين، كون المرأة العاملة صارت هدفاً «رجالياً» يعين على نفقات حياة تستعر أسعار متطلباتها كل يوم.
|