موقع دار الحياة
:التجديد الأخير 12:39 GMT - 2008/10/12

حال الطقس في 101 مدينة






كيف صِرت «بلوغر»؟

أحمد مغربي     الحياة     - 24/03/08//

لم يحدث أنني قرّرت فجأة أن أنافس أسامة بن المنقذ وهو الاسم الوحيد في التراث العربي الذي يقترن بكتابة المذكرات. وليس الأمر رغبة عارمة في تقليد المفكر الفرنسي جان جاك روسو، أشهر الأسماء ارتباطاً بتدوين اليوميات؛ كذلك لم أسع الى تقليد تلك الممثلة الممتلئة بالحيوية التي تؤدي دور صاحبة المذكرات الشهيرة في فيلم “يوميات بريدجيت جونز”. كلا. لم تكن هذه الدوافع الرفيعة وراء تحوّلي الى مدوّن الكتروني “بلوغر” قبل فترة غير بعيدة نسبياً. ما حدث فعلاً، هو أنني قرأت كثيراً عن المدوّنات الالكترونية، وعلمت أنها تنتشر بين الشباب المعاصر، وكذلك أن بعض أصحابها، ويُسمون “بلوغرز”، يستثيرون النُظُم السياسية والثقافية السائدة، فيدخلون السجن، كما حدث في مصر، وقبلها في البحرين وإيران. وعرفت أن المدوّنين الإلكترونيين يتعرضون للرقابة الأمنية كما حدث لبعضهم في تونس. وتناهى إلي أيضاً أن “البلوغرز” صاروا موضعاً لاتفاقات استراتيجية بين الحكومات وشركات الكومبيوتر العملاقة كالحال في الاتفاقية الذائعة الصيت التي أبرمتها الصين مع “غوغل” وتقضي بأن لا تفتح الصفحات الإلكترونية مساحاتها للتدوين إلا لمن ترضى عنه السلطة فلا ترى في حضور كلماته الإلكترونية على الانترنت خطراً. وجذبتني تلك الأخبار وما شابهها والتي رسمت حول ظاهرة “البلوغرز” إغراء تصعب مقاومته.

وزاد من الإغراء أن صنع مدوّنة الكترونية على الانترنت أمر سهل تماماً. وقد علمت أن محرك البحث “غوغل” يحتضن الكثير من المدونين. فدخلت ذلك الموقع. ووجدت اسم “بلوغرز” مكتوباً في قائمة الخدمات التي يتيحها. ونقرت على الاسم، فانفتحت صفحة ملؤها الرسوم والألوان، تقول أن صنع مدوّنة على الانترنت لا يستغرق إلا 3 خطوات. زادتني السهولة حماسة، ولم أكن نسيت أنني حاولت مراراً أن أصنع لي موقعاً فردياً في “جيوسيتز” Geocities، وهي تجربة لم يكتب لها النجاح.

ومع قسم المُدوّنات في “غوغل”، بدت الأمور مختلفة، ولا تقتضي معرفة واسعة بتقنيات الكومبيوتر ولا تضلعاً في شؤون المعلوماتية. واخترت لي اسماً، وكلمة مرور؛ وكذلك أعطيت الموقع عنواني في البريد الإلكتروني. وأعطيت خيار أن أضع صورة لي، مع استعمال برنامج “بيكسا” Pixa، فأحجمت لأنني أردت سلوك أسهل السُبل. وملأت استمارة عن المعلومات الأساسية عني، مثل تاريخ الميلاد والجنس والهوايات والبلد وعنوان السكن وغيرها؛ إضافة الى العنوان الذي أختاره للمُدوّنة. وأخيراً، انفتحت أمامي صفحة لها 3 أقسام أساسية، وتعلوها قائمة مبسّطة مؤلفة من مجموعة من المستطيلات الصغيرة التي تحتوي كل منها أمراً مفرداً بكلمة وحيدة. ووضعت في القسم الأول عنوان الموضوع الذي اكتبه. ونقلت الى القسم الواسع الثاني، بأسلوب “النسخ واللزق”، أحد النصوص التي كنت اختزنها على كومبيوتري. وأخيراً، عدّلت أرقاماً في القسم الثالث، حتى باتت تشير الى تاريخ الكتابة، باليوم والشهر والسنة وحتى الساعة والدقيقة أيضاً. ووافقت على أنني أرى النص بوضوح.

ونقرت على كلمة في القائمة تعني نقل ما كتبت الى الانترنت. وبعد ثوان، صارت لي كلمتي على الشبكة الإلكترونية الدولية، التي يتمكن أي كان من الاطلاع عليها، خصوصاً أنني لم اشترط إدخال كلمة مرور لقراءة النص ولا للتعليق عليه. وكررت الأمر، فوضعت قرابة عشرة نصوص؛ فظهرت على التوالي، في المُدوّنة، التي صارت تُظهر من كل نص بضعة أسطر، قبل أن ترسم خطاً بينه وبين ما يليه. وهكذا، حصلت على مفكرة الكترونية، اكتب فيها ما يروق لي بالتسلسل الزمني الذي اختاره. بالاختصار، صرت “بلوغر”! طرت فرحاً. أرسلت “اس ام اس” إلى كل من أعرف، زافاً لهم “البشارة” مع عنوان المُدوّنة.

وأحسست بأنني أنافس مايكل دوغلاس، الذي نشر قصته مع كاترين زيتا جونز، قبل زواجه منها، على مُدوّنة ليثبت للجميلة الصغيرة أنه يواكب شبابها. وبعدها، خبت الفرحة. فقد علمت ان شباب “البلوغرز” يستعملون المُدوّنات ساحة اللعب الالكتروني، فتظهر ليونة عقولهم المتينة، وتبرز تقاطيع عضلات تمرسهم بالتقنيات الرقمية. وأجبر هؤلاء مواقع الأخبار على تبني تقنية “التوكيل السهل فعلياً” (“ار اس اس”) كي تصل بين المواقع والمُدوّنات. وكذلك أرغموا كبريات الصحف على وضع صلة لنقل مقالاتها مباشرة الى صفحات “البلوغرز”، حتى ان بعض تلك الصحف صنعت لنفسها مدوّنات تديرها هيئات تحرير متخصصة! وزاد في إحساسي بأن هذه الظاهرة تتجاوزني، أن شباب “البلوغرز” رسخوا أقدامهم في تناقل أشرطة الخليوي والملفات الموسيقية والأفلام القصيرة بين صفحات مدوّناتهم، التي صارت ساحة إلكترونية متشابكة تتطاير بين ثناياها أنواع الملفات الرقمية؛ ووسيطاً إعلامياً شديد القوة والتأثير. ولا ينافس تلك الصفحات الفوّارة سوى ظاهرة تبادل الأشرطة في موقع “يوتيوب”، الذي يحمل الكثير من ملامح “البلوغرز”. صحيح أنني صرت “بلوغر”، لكن كأنما سقطت سهواً من قطار سريع!











  إتصل بنا  |  عن الموقع   أعلى الصفحة 

مجموعة الاتصالات الاعلامية  © 2007 Media Communications Group