مصر : «عفاريت الانترنت» يخترقون «تابو» الطائفية
القاهرة - أمينة خيري الحياة - 01/05/06//
مرة أخرى، ولعلها ليست الأخيرة، يثبت شباب مصريون أنهم رفعوا شعار الاعتدال والوسطية. وعلى رغم انهم غير ظاهرين في المجتمع، لكن أثرهم في تنامٍ مستمر. إنهم شباب مواقع الإنترنت والمدونات الشخصية الذين اخذوا على عاتقهم خلال الايام القليلة الماضية مهمة الدعوة الى نبذ الطائفية التي عبّرت عن نفسها في شكل واضح في الاسكندرية والقت بظلالها الكئيبة على الحياة في مصر لا سيما في المجتمعات الشبابية التي ينشط فيها التطرف على الجانبين المسيحي والاسلامي، بالاضافة الى سلسلة التفجيرات في سيناء.
ولعلها المرة الأولى منذ سنوات التي يجرؤ فيها شباب وشابات مصريون على إزالة الغطاء عن وعاء الـ «بريستو» (الضغط العالي) الذي يحوي كل ما يمكن تخيله وعدم تخيله من معتقدات خاطئة أو صحيحة عن طبيعة العلاقات بين المسلمين والمسيحيين.
وعلى رغم أن الحديث عن علاقة كل طرف بالآخر شائعة ومستساغة داخل المجتمعات الشبابية، الا ان الغالبية العظمى منها «أحادية» الدين، بمعنى أنه من الوارد ان تتحدث شلة شباب مسلمين عن «الفتنة الطائفية» أو «الوحدة الوطنية» فيما بينها، كذلك الحال بالنسبة الى شلة شباب مسيحيين، لكن مثل هذا الحديث غير وارد بين الشلتين مثلاً.
والجو العام السائد في الجامعات المصرية خلال السنوات القليلة الماضية في حد ذاته مؤشر الى تزايد الاحتقان المحسوس ولكن غير المعبر عنه على الملأ بين الفريقين. وبغض النظر عن اسباب هذا الاحتقان، فإن مجرد كسر «تابو» الدين يعد انجازاً في حد ذاته.
إنهم عفاريت الانترنت
والانجاز هذه المرة لم يكن مصدره شباب المجالس والهيئات الحكومية التي فقدت مصداقيتها الشعبية لأسباب معروفة، كما ان مصدره لم يكن من شباب أحزاب المعارضة، ولا حتى شباب الجماعات والأسر الطلابية ذات الطابع الديني، لكن شباب عصر تقنية المعلومات، إنهم «عفاريت الانترنت»·
فقد شهدت المواقع الشبابية، من جرائد الكترونية الى مواقع اخبارية ذات طابع شبابي الى مدونات شخصية، نشاطاً غير مسبوق في اعقاب ازمة الاسكندرية اتسمت بالحديث المفتوح عن الازمة من دون قيود أو حرج أو تكبد عناء «مواراة» الكلمات المتبعة عادة في الاجتماعات والمؤتمرات الكلاسيكية، وهنا بزغت ميزة التواصل الالكتروني مجدداً اذ يساعد غياب المواجهة الفعلية بين الاشخاص على التعبير بحرية عن الآراء والأفكار.
وتحت شعار «ليكن المواطنان نصحي جرجس ومصطفى مشعل آخر ضحايا الطائفية والتعصب في مصر» نظم عدد كبير من أصحاب المدونات الشخصية المصرية وغالبيتهم العظمى من الشباب تظاهرة سلمية في دوران شبرا عند محطة مترو أنفاق روض الفرج، وهو الحي المعروف بنسبة عالية من السكان الاقباط.
سكان شبرا الذين اعتادوا في الأشهر القليلة الماضية رؤية تظاهرات يخترقها بلطجية مأجورون أذهلهم مشهد الشباب والشابات الذين تجمعوا الأسبوع الماضي في تظاهرة سلمية شابها روح المدح على رغم الهتافات المعادية للنظام. الطريف ان هذا التجمع الذي لاقى استحسان سكان شبرا تم تنظيمه من خلال شبكة الانترنت.
المدونات الشخصية متنفس شبابي
وبعيداً من التصريحات الحكومية المفروضة على الجميع من خلال وسائل الإعلام الرسمية، والتي تفرض نظريات وتحليلات لا تصدقها الغالبية، نشرت جريدة «الوعي المصري» الإلكترونية التي يترأس تحريرها الصحافي الشاب وائل عباس استبياناً سئل فيه الشباب والشابات من زوار الموقع «من وراء محاولات بث الفرقة بين عنصري الأمة المصرية من مسلمين ومسيحيين؟» وجاءت النتيجة كالتالي: 31 في المئة قالوا انه «النظام ليمدد (قانون) الطوارئ» وقال 17 في المئة انهم «اقباط المهجر وقوميون اقباط»، والنسبة نفسها قالت انه «الجهل وانعدام الوعي والمعرفة»، وقال 16 في المئة انهم «جماعات سلفية متأسلمة»، و13 في المئة انها «أميركا وإسرائيل والصهيونية»، في حين أشار ستة في المئة الى أن الفاعل هو «التنظيم السري للمختلين عقلياً»، في اشارة ساخرة الى ان الجاني في احداث الاسكندرية مخـــتل عقلياً.
وعلى موقع «عشرينات» الشبابي القريب من الاخوان المسلمين، ظهرت دعوة قوية الاسبوع الماضي للشباب والشابات من زوار الموقع واصدقائه للذهاب الى الاسكندرية للصلاة مع المسيحيين في الكنائس التي تعرضت للاعتداءات، على أن يصلي كل من الحاضرين حسب دينه، وعلى رغم أن كثيرين من رواد الموقع اعترضوا على فكرة إقامة شعائر الصلاة في كنيسة، الا ان الغالبية العظمى اكدت على أهمية رأب الصدع الديني والطائفي.
ضلوع الشباب والشابات في قضايا الوطن امتد كذلك الى مأساة القضاة المعتصمين والذين دعت مواقع ومدونات شبابية عدة الى التضامن معهم في اعتصامهم المطالب باستقلال القضاء.
المؤكد هو وجود شباب في مصر لم تجذبه نيران التطرف، وأولئك رغم قلة عددهم، إلا أنهم يخطون خطوات عقلانية ومحسوبة، وإن كانوا أحياناً يتعرضون لضغوط او مضايقات من السلطات، لا سيما اذا جاءت مشاركتهم في اطار معارضة سياسية او انتقاد للأوضاع الأمنية او ما شابه، الا أنهم - سواء كانوا مسلمين أم مسيحيين - يؤمنون بحرية التعبير واحترام الآخر.
|