موقع دار الحياة
:التجديد الأخير 19:54 GMT - 2008/05/17

حال الطقس في 101 مدينة







فضول مجتمعاتنا عادة محمودة! ... ناتاشا كامبوش تعود إلى الواجهة بعد كشف جريمة «أبشع» في النمسا

فيينا - علياء الأتاسي     الحياة     - 05/05/08//

ناتاشا كامبوش
ناتاشا كامبوش
بدت متهالكة ومتعبة. وجه شاحب. جسد هزيل. عينان دامعتان، لا تعبران عن حزن ولا عن فرح. يتوارى خلفهما مصاب جلل وطفولة ضائعة، أما كلماتها فخرجت منمقة، جمل متراصة وبليغة نطقت بها، وأسلوب في الحديث عكس اعتداداً وثقة لا محدودة بالنفس، وذكاء متقد.

وشاح رقيق تدلى فوق شعرها الذهبي، «حجاب» لم يغطِ رأسها فحسب بل رمز إلى العزلة التي عاشتها سنوات طوال. محتجبة هي، رغماً عنها، عن الأنظار... لكنها ومنذ ذلك اللقاء، تحولت إلى محط الاهتمام العالمي، وإلى «نقطة اجتذاب» تسلط عليها الأضواء والأنظار أينما حلّت.

ناتاشا كامبوش، ظهرت لأول مرة في لقاء حي بُثّ في السادس من أيلول (سبتمبر) عام 2006، على التلفزيون الرسمي النمساوي وتابعه الملايين، في أنحاء العالم.

السباق على «الظفر» بلقطة أو صورة لها أو لقاء «خاص» من قبل كبريات وسائل الإعلام العالمية كان محموماًًًًًًًًًً وتحول إلى مادة دسمة «للمزايدة». وعروض مغرية توالت على الفريق المشرف عليها بغرض الاستماع إلى تفاصيل قصتها.

ناتاشا كامبوش، هي تلك الفتاة، التي اختطفت عام 1998 واحتجزها الجاني لمدة ثماني سنوات في قبو، بعمق ثلاثة أمتار، معزول عن العالم الخارجي بباب يزن أطنانا.ً داخل منزله الريفي الواقع في أطراف فيينا، وذلك دون أن يثير شكوك الجيران أو السلطات طوال تلك الفترة. عاشت ناتاشا ليالي طويلة في ذلك القبو حيث قرأت وتتلمذت على يدي خاطفها، الذي شكل حلقة الوصل ونافذتها الوحيدة على العالم الخارجي.

صيف عام 2006، تمكنت ناتاشا، في لحظة استثنائية غفل فيها الخاطف فولفغانغ بريكلوبيل، 44 سنة، عن مراقبتها، من الإفلات منه.. ومع انتحار الأخير فور ملاحظته هربها، طويت معه وإلى الأبد الكثير من الأسرار المرتبطة بأشهر قضية اختطاف في النمسا والدوافع الكامنة وراءها.

مر عام ونصف وأكثر على «تحرر» ناتاشا من «براثن جلادها». دخلت القبو طفلة لتخرج منه شابة مقبلة على الحياة، تسعى إلى تعويض ما فاتها على الصعد كافة. ومع اشتهار قصتها وانشغال العالم على مدى أشهر بناتاشا، يتساءل كثيرون ربما عن حياتها الآنية وعن الكيفية التي تمضي فيها وقتها.

تعيش ابنة العشرين سنة اليوم، وكمعظم بنات جيلها في فيينا، لوحدها في شقة صغيرة، اختارت هي ألوانها وتصاميمها. وهي الآن بصدد إنهاء دراسة المرحلة الثانوية فقد بدأت بتلقي الدروس الخصوصية بعد خروجها من «السجن» بفترة وجيزة. ويؤكد الفريق المشرف على ناتاشا بأنه ما زال من الصعب تحديد الفترة التي تلزمها لإتمام امتحانات الثانوية ما يخولها الالتحاق بالجامعة، إذ يصعب تحديد مستواها العلمي ومرحلتها الحالية. فقد قرأت الكثير من الكتب في التاريخ والأدب والجغرافيا خلال فترة احتجازها، الأمر الذي أسهم في تقدمها في بعض المواد على حساب أخرى. ونظراً لوضعها الخاص تركت لها حرية اختيار طريقة وتوقيت الامتحانات، فناتاشا تطمح إلى دخول الجامعة والالتحاق بكلية الحقوق.

تمضي ناتاشا عطلة نهاية الأسبوع في كنف عائلتها، على رغم انفصال والديها عن بعضهما عقب اختفائها عام 1998. وغالباً ما تتنكر حين تخرج من المنزل، فالنظرات الفضولية تتعقبها أينما حلت، هذا فضلاً عن تعرضها لمضايقات من قبل بعض الناقمين عليها، ربما، بحسب ما تقول، بسبب جمعها ثروة طائلة من أموال التبرعات التي انهالت عليها بعد أن خرجت إلى النور.

تبرعات، أعلنت ناتاشا بأنها ستودعها في صندوق خاص هو قيد التأسيس لمساعدة الأطفال والنساء الذين تعرضوا للاختطاف في المكسيك وأميركا الوسطى.

وتبدو ناتاشا، على الأقل ظاهرياً، كغيرها من بنات سنها، عصرية، ومنفتحة، ومعتنية بهندامها. فالحمرة عادت إلى وجنتيها، فيما يبدو جسدها أكثر اكتنازاً ببضعة كيلوغرامات عن أول ظهور لها. وفي مقابلة معها، أكدت بأن أكبر متعة استشعرتها عقب تحررها، كانت لحظة تذوق الآيس كريم الذي كانت تشتهيه كلما رأت إعلاناً، في أيام أضناها خلالها الجوع والعطش.

ولا تزال ناتاشا تخضع للعلاج النفسي، من قبل فريق طبي يشرف على حالتها ويقدم لها الدعم اللازم. وعلى رغم ذلك يؤكد مدير الفريق المتابع، الأخصائي النفسي ماكس فريدريش، أن قوة شخصية ناتاشا كما تظهر في وسائل الإعلام، تخفي خلفها انسانة مرهفة الحس، تنتابها حالات من الخوف والقلق، وهو أمر طبيعي بالنسبة لشخص مر بظروف مشابهة.

وعلى رغم تحفظاتها على فضول الإعلام، تستعد ناتاشا في الوقت الراهن لتقديم برنامج حواري سيُبث على شاشة التلفزيون النمسوي قريباً، فمجرد تقديمها له، يضمن، بلا شك، عدداً هائلاً من المشاهدين، رغم أنها ستحتل هذه المرة موقع المحاور.

لا تزال جوانب كثيرة غامضة عن الفترة التي أمضتها ناتاشا تحت حكم «جلادها» وعن علاقتها به، ما يجعل من أخبارها وتفاصيل حياتها أمراً مثيراً للمتابعة.
في قبو هذا البيت سجن ماكس فريدريش أبنته 24 عاماً
في قبو هذا البيت سجن ماكس فريدريش أبنته 24 عاماً

ومع كشف النقاب قبل أيام عن قصة أشد فظاعة وهولاً، وهي قصة الأب الذي سجن ابنته على مدى 24 سنة في قبو منزله الواقع في مدينة صغيرة بمقاطعة النمسا السفلى أعادت ناتاشا إلى الأذهان، وقد تعود قصتها إلى الصفوف الخلفية، وتخرجها من دائرة الضوء، مع عثور الإعلام المحلي والعالمي على «فريسة» أخرى، و «أبطال» جدد لتقاريرها. على رغم ذلك أطلت ناتاشا وعرضت تقديم مساعدتها المالية والنفسية على العائلة المنكوبة والضحايا باعتبارها مرت بتجربة مماثلة.

حادثتان مروعتان، هزتا النمسا، ومجرمان أخفيا حياتهما المزدوجة على مدى سنوات، دون إثارة ارتياب الجيران أو سكان الحي أو حتى السلطات المعنية، ما يتيح القول إن عادة الفضول والتدخل التي نعرفها في بلداننا، هي عادة محمودة ...











  إتصل بنا  |  عن الموقع   أعلى الصفحة 

مجموعة الاتصالات الاعلامية  © 2007 Media Communications Group