العراق عشية الانتخابات... أحزاباً ومدناً ونواحي (5): دماء الفلوجة صبغت محافظة الأنبار فانكفأت لوائح الرمادي وغاب المرشحون والمقترعون
محمد مظلوم الحياة 2005/01/27
الأنبار أو الرمادي في ثنائيات تبدل أسماء المحافظات العراقية لا تتشكل في أذهان العراقيين الا كصورة للصحراء الغربية. يعزز هذا التصور أنها مترامية الأطراف، ولا يلوح أمام كثير من المواطنين ما قد يجدونه فيها للتواصل مع مدنها، زيارة أو سياحة، أو حتى عملاً، مما ضاعف من سمة الصحراء وأضفى عليها صفات نمطية جعلتها تطغى على ما فيها من مياه وبحيرات تمتاز بها عن بقية المدن.
لكن الرمادي بلونها الأصفر على خريطة العراق، لم تبق يوماً أسيرة دلالة اللون الذي حملته، سواء باسمها أو بكتلتها على الخريطة، إلا بالقدرالذي يجعلها تنقلب فجأة عليهما معاً وترتمي في ألوان أخرى.
سماها صدام المحافظة البيضاء عندما انتفضت ضد حكمه إحدى عشرة محافظة عراقية في ربيع العام 1991، فزج بعدد من ابناء الأنبار في مواجهة مواطنيهم. ومنها أطلق عيارات نارية في الهواء معلناً «انتصاره» في معركة بقائه في الحكم فيما كان العراق كله يعود إلى العصور الوسطى، إلى ما قبل العصر الصناعي كما أكد جيمس بيكر في تحذيره لطارق عزيز خلال اجتماع جنيف الشهير.
وعندما عادت القوات الأميركية إلى العراق لإسقاط صدام في «حرية العراق» كانت «الرمادي» هي اللون الوقائي الذي ارتداه رجال الكوماندوس الأميركيون وهم يبدأون من الصحراء عملياتهم (الخاصة) التي سبقت بدء الهجوم الواسع في انطلاقه من الجنوب، الطريق الأنكلو سكسوني التقليدي لاحتلال العراق.
لم تصطدم القوات الأميركية في طريقها نحو بغداد بـ«عقدة رمادية» في الصحراء، إذ لم تلجأ الرمادي نفسها إلى تحصين نفسها لمواجهة خطر الاحتلال والاجتياح. ربما لهذا كانت الأنبار بكاملها، ممثلة بالوجهاء وشيوخ القبائل فيها، أول منطقة تعلن اتفاقاً مع الأميركيين يشبه الاستسلام من دون قتال بعد هول ما جرى في بغداد.
ثمة من رأى أن ذلك الإتفاق هو التكتيك الأول لإعادة تنظيم مقاومة مسلحة ضد الأميركيين بعد سقوط النظام بصورة دراماتيكية، بيد أن ثمة من رأى أن الأنبار فعلت ذلك لانها كانت من المدن المحكومة من تكريت، وليس من شأنها أن تربط مصيرها بها في هذه اللحظة الحرجة على الأقل.
هنا بدأت مرحلة لونية أخرى للرمادي. وعلى رغم أن أحداً لا يعرف على وجه الدقة متى دخلها الأردني «أبو مصعب الزرقاوي»، أو ما إذا كان قد دخلها فعلاً! إلا أنها عرفت بعد ذلك بأنها معقل «الزرقاويين» في دراما التحول اللوني ذي الدلالة للمدينة.
لكن دماء الفلوجة القانية صبغت كل المحافظة تقريباً بلون آخر، ليس من السهل التخلص منه. فهو ذو طعم ورائحة لا تزال تتصاعد في العديد من أحيائها. انها اليوم المحافظة الحمراء التي تتوزع على ضفتي الفرات في الخرائط الأمنية التي يجري تعديلها من المنطقة الخضراء على شاطىء دجلة. وربما لهذا ترفض هذه المحافظة اليوم ان تستبدل دماء الآلاف من أبنائها بحبر أسود تخط فيها صوتها في الانتخابات.
تضم الأنبار أو الرمادي، عدداً من القرى والمدن التي دارت على ثراها الكثير من الأحداث المهمة وتحديداً في العهد الإسلامي بأطواره الراشدية والأموية والعباسية. فهي في التوصيف التاريخي العام «سواد الكوفة»، بيد أنها في أهم فترات الصراع الأموي العباسي وانتقال مقاليد الحكم إلى العباسيين كانت القاعدة المتقدمة بفعل قربها من الشام وكونها صلة الوصل بين الكوفة وعاصمة الأمويين، حتى أن أول عاصمة اتخذها العباسيون بعد تولي أبو العباس السفاح الحكم كانت في الهاشمية في الانبار، وهي العاصمة الموقتة في فترة انتقال مركز الدولة العباسية من الكوفة إلى بغداد بعدما أنشأها المنصور.
وعلى هذا الواقع التاريخي يمكن أن ننظر إلى دور مدن الأنبار وقراها في تاريخ العراق المعاصر وفي شكل أكثر تحديداً لدورها في حكم البعث خلال العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين.
فعلى رغم أن تكريت لم تبرز إلا بوصفها واجهة لتحدر عائلة استأثرت بحكم العراق، إلا أن الأنبار، ومعها الموصل، تشكلان الرافدين الأساسيين للنخب المدنية والقيادات العسكرية التي قادت المؤسسات المهمة في الدولة العراقية. فقبائل الدليم والجبور والجميلات تقاسمت القيادات الرئيسية والثانوية لمؤسسات الأمن الداخلي والمخابرات، وإن بقيت الوجوه التكريتية تمثل الواجهة المبرزة لها.
قد يبدو مثل هذا الأمر طبيعياً إذا ما وصف نظام صدام بكونه نظاماً عصبوياً، ينفذ مشروعاً طائفياً في هذا السياق. لكن واقع الحال يشير إلى غير ذلك تماماً، فالرمادي فقدت الكثير من أبنائها في محرقة الصراع الداخلي على السلطة من جهة وصراع السلطة مع عموم الشعب العراقي من جهة مقابلة، ابتداء من تولي صدام حسين السلطة عندما أقدم على إعدام عدد من قيادات البعث وكانوا في جلهم من السنة وكان نصيب الأنبار منها كبيراً تمثل في محمد عايش الذي اتهم بقيادة المجموعة إضافة إلى مرتضى الحديثي وشقيقه كردي الحديثي وخالد الكبيسي، وعدد آخر من قيادت البعث في ذلك الوقت، وصولاً إلى أهم محاولة انقلابية جرت عام 1995 وانتهت بإعدام اللواء الطيار الركن محمد مظلوم الدليمي والعشرات من كبار الضباط غالبيتهم من محافظة الأنبار.
مدن الموصل وسامراء والرمادي على سبيل المثال تعزز قناعة مفادها أن صدام ديكتاتور غير معني بقيادة الحزب الذي استلم السلطة باسمه، ولا الطائفة التي يجري اتهامها اليوم به من دون تدقيق كثير في الوقائع. ولكي لا نبخس الرمادي حقها نذكر بأن قراها ومدنها التي تشبه الواحات في الصحراء، أفرزت رغم صغرها نخباً سياسية ودينية واجتماعية وقيادات عسكرية. فـآلوس التي تشبه جزيرة في صحراء حيث تحيط بها مياه الفرات وتستدير عليها في مساحة صغيرة لا تصل إلى خمسة كيلومترات مربعة، أضحت نسباً معروفاً كمدينة، وليس كتحدر عشائري، للعديد من الشخصيات الفكرية والأدبية وعلماء الدين. وينطبق الحال أيضاً على هيت، فيما شكلت قرية كبيسة الحدودية طبقة مهمة من التجار الذين دانت لهم السيطرة على أسواق بغداد التجارية عبر مرحلتي تهجير اليهود في الخمسينات والأكراد الفيلية في السبعينات والثمانينات.
لكن الفلوجة حين تحولت إلى عقدة كبرى للأميركيين، إنتزعت المجد كله، واختزلت الصحراء وألوان المدينة في اسمها الذي يعني الخصوبة التي تتقبل كل زرع كما في المعاجم. وهي أكبر المدن في الأنبار من حيث عدد النفوس، لكن قربها من بغداد حرمها من أن تغدو مركزاً للمحافظة بموجب التقسيم الإداري الذي يشترط في مركز المحافظة أن يبعد بمسافة لا تقل عن مئة كيلومتر عن الحدود الإدارية للعاصمة وهو ما لا ينطبق على الفلوجة التي تكاد نواحيها تختلط مع النواحي الإدارية التابعة لأمانة بغداد.
قد يكون من المهم هنا الإشارة إلى إن للرصافي قصيدة عن الفلوجة يدين بها المجزرة التي ارتكبها البريطانيون ضد المدينة خلال ما عرف بحركة مايس (أيار/مايو) عام 1941، وراح ضحيتها أكثر من مئتين من أهل المدينة التي لم يكن عدد نفوسها يتجاوز آنذاك السبعة آلاف.
المهم في هذا الجانب ما يشير إلى أن الفلوجة، والأنبار عموماً ذات توجه قومي اصطبغ خلال العقود الأخيرة بصبغة إسلامية وهو ما تجلى واضحاً في هوية المقاتلين الذين قاتلوا الاميركيين فيها. وفي ظل غياب التمثيل الإسلامي السني، والأحزاب القومية العربية بشكل واضح، يبدو الأمر أكبر من مجرد مشكلة أمنية تمنع الناخبين من التوجه إلى صناديق الاقتراع «الشفافة» التي جرى استيرادها من كندا. وقد يلخص استيراد معدات الاقتراع نموذجاً تقريبياً لطبيعة العملية الديمقراطية في العراق، فالصناديق والاستمارات وحواجز التصويت وأجهزة المكاتب الخاصة بالإقتراع شحنت إلى العراق جواً على دفعات، مثل أشياء عدة يجري شحنها من دون النظر كثيراً إلى الأرض، وبينها الديمقراطية التي يحلم بها الرئيس الأميركي في العراق.
وفيما تشير التقديرات إلى أن الرمادي من المدن التي ستشهد نسبة إقبال قد تكون هي الأقل وقد لا تتجاوز العشرة في المئة ممن يحق لهم التصويت، فإن هذه النسبة قد تنحسر إلى فشل تام، مع عدم تسجيل أسماء الناخبين حتى الآن ووجود نية لدمج تسجيل أسماء الناخبين، والإدلاء بأصواتهم في يوم واحد.
ومما يعزز من احتمال الفشل، او بالأحرى يجسده بوصفه واقعاً متشكلاً لدى المرشحين أنفسهم، انخفاض عدد القوائم المتنافسة في المدينة إلى أدنى نسبة بين عموم المحافظات العراقية، إذ لم يتجاوز الثلاث قوائم حتى الآن، فيما تعد الرمادي ثاني أكبر مدينة سنية في العراق بعد الموصل إذ يصل عدد سكانها بحسب التقديرات إلى حوالي 1.2 مليون نسمة.
وهنا تبدو قائمة كل من غازي الياور وعدنان الباجه جي، بل وحتى قائمة اياد علاوي، الذي يشدد على نظرية القوة والأمن في برنامجه الإنتخابي فقط هي المتنافسة في الأنبار، إذا ما جرت الإنتخابات في الرمادي، بعد إنسحاب الحزب الإسلامي العراقي الذي يتمتع بوجود واضح في المحافظة.
ولن يرسم التنافس بين القوائم المحدودة في الأنبارصورة ما يمكن ان تشهده المحافظة، فليس ثمة حملات تذكر في مدنها وقصباتها. بل إن حملات المسلحين الذين يسيطرون على غالبية المدن فيها هي الأوضح. وهم قد يجدون في الزخم الإعلامي الذي توفره الإنتخابات مناسبة نموذجية لإرسال إشارات شتى تعلن استمرار وجودهم، كأنهم بذلك يطورون حملتهم التي تفتقد الزخم الإعلامي المطلوب، على الطريق ذاته الذي أراده الآخرون نوعاً من الدعاية المضادة عن صورة المدينة. أكثر من ذلك قد تكون الرمادي خلال أيام الإنتخابات قاعدة لحملة عنف تصدر إلى مدن أخرى، فانحسار عدد القوائم المتنافسة في المدينة، وضآلة الإقبال على المشاركة، سيجعل من المسلحين يتطلعون لنقل دائرة معركتهم إلى محيط أوسع تبعاً لتزايد القوائم المتنافسة في المحافظات الأخرى.
داخلياً لا تعرف غالبية العراقيين الكثير من أسماء المرشحين أو سيرهم، أما لمجهولية الأحزاب التي ينتمون لها بالنسبة للناخب، أو لسمة التخفي التي طبعت سير أسماء الكثيرين منهم بسبب المخاوف الأمنية، وهو ما أثر كثيراً في التواصل المعتاد في الحملات الانتخابية. وتعد المرأة سيدة التخفي والغياب في هذه الحملة، فعلى رغم إن قانون إدارة الدولة الذي تجري الإنتخابات بموجبه خصص للنساء حصة 20 في المئة من مجمل المقاعد في البرلمان وكذلك في مجالس المحافظات، فإن المعلن من أسماء النساء إلى الآن لا يكاد يشير إلا الى عدد ضئيل من المرشحات. ولعل طغيان لغة الأرقام في القوائم الانتخابية على أسماء الكيانات السياسية المتنافسة يضفي تجريداً إضافياً على العملية برمتها، ولنا أن نتصور بعد ذلك صورة هذه المشكلات مجتمعة عندما يتعلق الأمر بمدينة كالرمادي.
هذا التجريد والضبابية التي لم يجر تثقيف جدي ومناسب لها على رغم الزخم الإعلامي لـ«الديمقراطية» كفكرة، لا كممارسة تستدعي عملاً أكثر، دفع القائمين على الانتخابات إلى تجريب المزيد من وسائل الإيضاح لإنجاز العملية. وتعد «الورقة الوردية»، وهو اللون الذي اختير لاستمارة التصويت للجمعية الوطنية من أهم الأوراق الثلاثة أو الألوان الثلاثة التي وزعت عليها استمارة كل من مرشحي الجمعية الوطنية، ومجالس المحافظات (اللون الأزق) والمجلس الوطني الكردستاني (التركواز).
غير أن مهمة البرلمان المنتخب تتلخص في كتابة الدستور ولن يكون أمامه عملياً سوى تسعة أشهر، تعادل الفترة التي بقي فيها مجلس الحكم في الواجهة، ليكون بعدها حكومة دائمة. ولهذا لن تبدو البرامج المعلنة للحركات السياسية من قبيل تحقيق الحرية والعدالة والمساواة، وتحسين الخدمات، وضبط الأمن، سوى نوع من الخيبات اللاحقة للمواطنين البسطاء وسواد القاع الذين لا يكادون يعرفون التشريعات الأساسية التي تحدد عمل البرلمان المقبل. انه تمرين أميركي في التثقيف على أصول لعبة يعترف مبتكروها أنفسهم بأن الطريق لإنجازها لا تزال في بدايتها.
كاتب وباحث عراقي.
|