:التجديد الأخير 18:24 GMT - 2008/11/21


حال الطقس في 101 مدينة







كركوك... المعضلة في صناديق شفافة!

محمد مظلوم     الحياة     2005/01/27

تظاهرة تركمانية في كركوك.
تظاهرة تركمانية في كركوك.
إذا كانت الرمادي بمدنها التي تشبه الواحات في الصحراء وبتاريخها الذي يرتبط بالتحولات الأساسية في تعاقب أنظمة الحكم في العراق، تبدو غائبة أو مغيبة، بفعل عوامل عدة، عن تحديد دورها في الانتخابات الحالية، فإن النار الأزلية التي تتصاعد من أرض كركوك لا يمكن لأحد أن يحدد هويتها القومية أو مزاجها الإقتراعي بوضوح، تماماً كالمدينة التي تبدو اليوم وستظل حتى إلى ما بعد الانتخابات غير قابلة لتمثيلها لأغلبية صريحة وسط تداخل الشعارات التي جعلتها تغدو أبعد من مأوى بشري قلق، لتتحول إلى رمز سياسي وطني وقومي مكثف.

فهي «قدس كردستان» أو «قلب كرستان» في الأدبيات الحزبية للحزبين الكرديين الرئيسيين، وهي محافظة «التأميم» في أدبيات القوميين العرب بوصفها ترمز إلى الإنجاز الأهم في الصراع النفطي مع الغرب، وهي مدينة «التآخي» في الشعار السياسي الذي يؤكد على وحدة العراق، وفوق هذا وذاك هي بالنسبة للتركمان المدينة التي تمثل أكبر تركز سكاني تاريخي لهم، وتحمل في اسمها الحالي كيمياء لأبجدية ليست عربية ولا كردية بل تركمانية، مع أن تسمية المدينة تبتعد كثيراً عن اسمها «كركوك» وعن فترة حكم دولة الخروف الأسود التركمانية (قره قوينلو) في القرن الخامس عشر، وتتقلب في مختبرات لغوية أخرى بينها «بابا كركر» و«شهرزور» و«كرخيني». لكن اللغة ليست حاسمة هنا، والحديث عن كركوك اليوم متداخل مع جغرافيا مختلفة تماماً. فعلى رغم أن مركز المدينة الحالي لا يزال يجسد الوجود التركماني بوضوح، فإن هذا التمركز بدا مهدداً بالتشتت خلال العقود الماضية بفعل تداخل الأقضية والنواحي ذات الديموغرافيا العربية والكردية المحيطة بالمدينة والزحف المقدس وغير المقدس نحوها، حتى بدت الملامح الواضحة لكركوك غير محسومة مطلقاً.

وبالتأكيد فإن التوافقات التركمانية العربية الكردية والتحالفات الطائفية والدينية في المعركة الانتخابية في المدينة لن تحل العقدة الديموغرافية للمدينة لا سياسياً ولا ديمقراطياً، فالديموغرافيا هي «القدر والمصير» كما يؤكد أوغست كونت في فلسفته الاجتماعية، من هنا تبدو القوائم الإنتخابية ذات الصبغة القومية الخالصة سواء كانت كردية أم تركمانية أم عربية كمن يحاول أن يمزج بين اليوتوبيا الأيديولوجية وما قد يفرزه الراهن من ظواهر بشرية في المدينة.

إنها المعركة الانتخابية الحقيقية المرتقبة في العراق، وهي اختبار لقدرة الصناديق المصنعة خصيصاً لانتخابات «نزيهة» على فرز نتائج تلائم التقديرات المتنازعة في أدبيات كل من الأطراف الثلاثة، بخاصة ذلك المتعلق بالتعداد السكاني لكل قومية في المدينة.

والمخاوف التي يشعر بها الجميع في هذه المحافظة النائمة على جغرافيا من نار، لا تتعلق بمبدأ الانتخابات ذاتها، بل بنتائجها، فكركوك ليس فيها الكثير ممن سيقاطعون الانتخابات كما هو الحال في الموصل أو الأنبار أو ديالى، وحتى عرب الحويجة الذين قد لا يؤيد أغلبهم إجراء الإنتخابات، سيجدون أنفسهم إزاء معركة من نوع آخر في كركوك، على الأقل لإثبات وجودهم قبل أن يثبتوا «عروبة المحافظة». وهي مكان الصراع الأبرز للأكراد في «قدسهم» وحسم «حكاية التعريب والتكريد»، فمن الواضح إن الحزبين الكردييين (الديمقراطي الكردستاني برئاسة مسعود البارازني والاتحاد الوطني الكردستاني برئاسة جلال الطالباني) لم يتوحدا في قائمة إنتخابية واحدة إلا من أجل «قدس كردستان»، وهما اللذان ظلا طيلة الثلاثة عشر عاماً الماضية بحكومتين وعلمين وبرلمانين، بل خاضا أشرس المعارك من أجل السيطرة على المنافذ الحدودية وطريق النفط المصدر عبر تركيا، مما دفع الذاكرة الشعبية الكردية إلى إطلاق اسم «أم الجمارك» على المعارك التي دارت بين الطرفين، قبل أن يجتاح الجيش العراقي عاصمة الإقليم (أربيل) أواخر آب (اغسطس) عام 1996، على رغم أن المنطقة عرفت آنذاك بـ«الجيب الآمن» الذي وفرته الولايات المتحدة للأكراد.

وعلى النقيض من الأكراد الذين جمعتهم قائمة قوية، وتجمعهم طائفة رئيسية في المناطق الكردية، في كون غالبيتهم الساحقة من السنة، فإن التركمان يتوزعون قومياً في قائمتين، هما قائمة الحركة القومية التركمانية، وجبهة تركمان العراق، وطائفياً ما بين شيعة وسنة، إضافة إلى توزع حركات تركمانية عدة في تنظيمات حزبية تتبع تيارات إسلامية كحزب الدعوة الإسلامية والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق. كما إن إلحاق النظام السابق لوحدات إدارية كبيرة تسكنها أكثرية تركمانية بمحافظتي صلاح الدين وديالى، سيشكل واقعاً ليس في صالح مطالب بعض الأحزاب التركمانية بإنشاء فيدرالية قومية في كركوك.

بيد أن مقاعد التركمان قد تبدو شبه محسومة من حيث عدد المقاعد في البرلمان المقبل، إذ قد تصل إلى خمسة عشر مقعداً، وهي نسبة لن تغري أياً من الأحزاب الرئيسية على تشكيل غالبية عبر تحالف ثنائي معها في البرلمان المقبل، فيما ستتصارع تلك الأحزاب من أجل التحالف مع الأكراد، بخاصة قوائم علاوي والباجه جي والياور، إذ من الواضح أن التوجه العام للعملية الإنتخابية لن يفرز غالبية واضحة المعالم، بل أن ثمة تحالفات وتوافقات لاحقة - لن تكون بمنأى عن التأثير الأميركي - هي التي قد تحدد الكثير من المواقع، بخاصة في موقع رئاسة الجهورية والحكومة.

ولعل هذه القضية هي محور تفكير الكثير من الأطراف التي لا تشغلها الغالبية البرلمانية التي تبدو صعبة المنال في هذا الزخم والعدد الهائل من اللوائح المتنافسة، لكنها تسعى إلى تحقيق تكتلات لاحقة تمكنها من الظفر بمناصب مهمة وفق تقسيمات ومحاصصات ستكون الترويكا الطائفية القومية إحدى سماتها التقليدية في تلك المناصب، وسيجد التركمان أنفسهم مرة أخرى بعيدين عن الترويكا الرئيسية.

فقائمة عدنان الباجه جي التي تعد قائمة علمانية ذات سمة ليبرالية، ولا يبدو أنها نجحت في تشكيل دائرة تحالف عشائرية أو دينية، نجحت من جانب آخر في تأليف «قائمة علمانية نموذجية» هي مزيج من التكنوقراط الذين يشغلون حقائب وزارية أو مناصب وكلاء لعدد من الوزارات في الحكومة الحالية، وكذلك من الشخصيات التي تنتمي إلى مناطق معارضة للحكومة الحالية كتكريت والفلوجة والموصل. ومع هذا تكاد قائمة الباجه جي، بشعارها الانتخابي «عراق ديمقراطي موحد» واختيار ملوية سامراء رمزاً لها بما تحمله من دلالة، جامعة لأطياف وظلال طائفية وتاريخية وحضارية، تقترب من قائمة علاوي في كونها تستمد أهميتها من الشخص وليس من القائمة. فالباجه جي الذي كان حتى اللحظات الأخيرة مرشحاً لرئاسة الجمهورية، قبل تسمية الياور رئيساً، يدرك تماماً ان غالبية أصوات الناخبين لن تكون حاسمة في تحديد اسم الرئيس المقبل للبلاد، بل ما يحسم ذلك هو مكان آخر غير الصناديق الشفافة : كواليس المداولات الإقليمية والدولية، والتوافقات السياسية في الجمعية الوطنية المقبلة.

وفي العودة للمخاوف المتعلقة بانتخابات كركوك سنجد أن تعداد سكان المحافظة الذي لا يكاد يبلغ المليون نسمة لا يختزل في واقع الحال المعضلة، فثمة ملايين أخرى من عرب وأكراد وتركمان وآشوريين وكلدان، يتعللون بالجغرافيا والتاريخ وبسجلات عثمانية وبريطانية وعراقية لتأكيد جذورهم القومية فيها، ولن يوفر أحد من هؤلاء ما بحوزته وبمستطاعه لإقناع الآخرين بأن حكايته القديمة عن المدينة هي الأوثق، وإن حكايات الآخرين محض باطل وقبض ريح، بيد أن لا أحد أيضاً يستطيع أن ينسى حكايته بهذه السهولة.

وإذا كانت قضية هبات الأراضي التي وزعت في العهد السابق لتغيير ديمغرافيا المدينة، وبيع القومية في السجلات العقارية، من المورثات التي فاقمت من معضلة كركوك، فإن ردود الأفعال المضادة التي أعقبت سقوط النظام اتسمت بتقليد التراث ذاته في معالجة هذه المعضلة. وفي كل الأحوال فإن لكركوك بورصة أخرى، لا يمكن لسوق بغداد وحدها ان تتحكم بها، وليس يوم الاقتراع الموعود إلا افتتاحا لها وسط مخاطر انهيارات لا تحصى.





  إتصل بنا  |  عن الموقع   أعلى الصفحة 

مجموعة الاتصالات الاعلامية  © 2007 Media Communications Group