مؤتمر البعث، هل ثمة أمل يرتجى؟
أكرم البني الحياة - 08/06/05//
ثلاثة اسباب تفسر عزوف الناس اليوم عن الاهتمام باخبار مؤتمر حزب البعث، فبعد ان انشدت الانظار اليه بأمل ان يضع البلاد على سكة التغيير المنشود تنامت اخيراً حال من السلبية وعدم الاكتراث او لنقل خيبة أمل مما يمكن ان يتمخص عنه من نتائج وقرارات كان يقدر لها في علم الدعاية الرسمية ان تشكل «قفزة كبرى» في مصلحة مسار الاصلاح السياسي في البلاد.
السبب الأول، آليات الاعداد الشكلي لمؤتمر يراد له ان يكون نوعياً ويحمل في احشائه اسباب وقوة التغيير، فالخطوات التحضيرية جاءت فوقية وعاجلة، ولم تعرض، على سبيل المثال، تقاريره الثلاثة، السياسي والاقتصادي والتنظيمي، على الناخبين الا قبل مدة قصيرة جداً من موعد عقده وهو وقت غير كاف لتتمكن القواعد الحزبية من دراستها ومناقشتها وخوض عمليات الترشيح والانتخاب على ضوء ما يفرزه تباين وجهات النظر من تيارات واصطفافات، ليغدو اشبه بتحصيل حاصل ما رشح من نتائج في معظم الفروع والشعب الحزبية اظهرت ان من فاز بعضوية المؤتمر هم الشخصيات القيادية ذاتها التي ما فتئت تمانع أي تغيير واوصلت الحزب الى ما صار اليه من ترهل وابتعاد عن الاهداف والشعارات الاصلاحية التي رفعها بل وحولته اكثر فاكثر الى مرتع خصب لنمو شبكات الفساد والعلاقات الانتهازية والوصولية، وفي محاولة للرد على هذه النتائج جاءت حملة جمع التواقيع التي اطلقها احد النشطاء البعثيين والمشرف على نشرة كلنا شركاء الالكترونية لمطالبة القيادة القـــطرية بتعيين /200/ شخصية حزبية كاعضاء اصلاء في المؤتمر ممن يحسبون على «تيار التجديد والاصلاح» لعل بالامكان تجاوز الخلل الحاصل وتوفير حد مقبول من توازن الاصوات في المؤتمر، والا سوف يصار الى اعادة انتاج العقـــلية القديمـــة وتكريس ذات القيادات الحزبية في مواقع القرار والمسؤولية!!.
السبب الثاني، تراجع حماسة الترويج الاعلامي الرسمي للمؤتمر والذي بدأ في تصويره اثر الانسحاب العسكري السوري من لبنان على انه محطة نوعية فاصلة في تاريخ سورية، اذ ما لبثت حمى هذه التصريحات المتفائلة والحالمة، ان بردت وانحسرت امام تقدم اصوات تدعو الى التريث وقراءة امكانية التغيير بصورة «عقلانية», وتعيب على المتفائلين انهم يزرعون املاً واهماً في نفوس المواطنين سوف ينقلب يأساً واحباطاً اذا لم تأت النتائج كما يروج لها، ثم انسحبت هذه المواقف تحت غطاء «الموضوعية والدقة» لتصل الى حافة القول: «ان التغيير والاصلاح في سورية عملية تاريخية يضرها التسرع والاستعجال وهي تحتاج الى زمن وجهد كافيين كي تكون ناجحة وآمنة»!! ويخلص اصحاب هذه الرؤية الى ان وظيفة مؤتمر البعث ليست قلب المعايير بل رسم خطوط عريضة لمسار «التطوير والتحديث» وتالياً هو غير معني بما يترقبه الناس من قرارات ملموسة وخطوات اجرائية، سياسية كانت أم اقتصادية، تقع مسؤولية اصدارها على كاهل الحكومة، وربطاً مع هذه الروحية لم يمض وقــت طويل حتـــى بدأت بالانحسار ايضاً كل النشاطات وندوات الحـــوار التي حاولت ان ترافق عمليات التحضير، واغلقــت على الفور الابواب الاعلامية المحدودة التي جازف بعض الصحافيين الرسميين في ولوجها لرصد مواقف المواطنين واراء بعض نشطاء المعارضة والمثقفين السوريين من المؤتمر!!..
السبب الثالث، هو حديث الوقائع وما تسرب من معلومات رسمية عـــن حــدود التغيير المزمــع اجـــراؤه فـــي المؤتمر وما يمكن ان يتخذه من قرارات، فتسربت الاخبار عن نيات مبيتة بتحرير «نسبي» للاقتصاد السوري من هيمنة الدولة وما يستتبع ذلك من اقـــرار رسمــي بأولويـــة التوجه صوب اقتصاد السوق، ومن دون ان يترتب على ذلك تغيير في محتوى الدستور السوري او اهداف حزب البعث التي تعتبر الاشتراكية النمط الاقتصادي السائد، لتتكامل هذه الخطوة مع التصريحات التي اكدتها غير شخصية رسمية وفي مواقع مختلفة بان لا مكان في مؤتمر البعث لاعادة النظر او تعديل المادة الثانية من الدستور السوري التي تمنح حزب البعث حق قيادة الدولة والمجتمع، ربطاً مع ما شهدته المؤتمرات الفرعية من اساليب شحن ضد هذا التعديل على انه مطلب «استعماري» غايته زرع الفوضى والنيل من دور سورية القومي ومواقفها الوطنية، هذا من جهة ومن جهة ثانية من المتوقع ان يقر المؤتمر وبعد سنوات من المماطلة والتسويف، «مبدأ التعددية السياسية» على ان يصار الى تشكيل لجنة لانجاز دراسة حول مشروع قانون الاحزاب والجمعيات يناسب خصوصية المجتمع السوري، فيرسم «بخطوط ناعمة لكن قاطعة» الشروط والحدود التي تبقي ادارة الصراعات الفكرية والخلافات التقدمية والعمل على توسيعها وتفعيل دورها بصفتها عند اولي الامر النموذج الانجع من اشكال التعددية واحترام الرأي الآخر!!. والدليل رفدها اخيراً باحد اجنحة الحزب السوري القومي الاجتماعي وما يشــاع عـــن مفاوضات تجرى مع قوى سياسية اخرى تتأهب للانضمام الى صفوفها. وتجدر الاشارة من جهة ثالثة الى ما اعلن بوضوح وصراحة عن اصرار النخبة الحاكمة على ابقاء حال الطوارئ سارية المفعول وربط رفعها بعامل واحد فقط هو تسوية الصراع مع اسرائيل، ويشاع في هذا الصدد ان ثمة توجهاً جديداً سيقره المؤتمر «لتحديد علاقة الاجهزة الامنية مع المواطن السوري» في سياق ما سمي رؤية جديدة «لتنظيم حضور قوانين الطوارئ والاحكام العرفية في المجتمع!! ربما غرضها تخفيف الضغوط الخارجية التي لا تزال تنتقد ادمان السلطة السورية على ادارة الحياة الداخلية وفق قوانين الاستثناء، وايضاً امتصاص الاصوات الكثيرة التي ارتفعت من مختلف القطاعات الاجتماعية والثقافية تسأل عن جدوى استمرار حالة الطوارئ لعقود وعقود!!. وفي هذا الإهاب نسأل، كيف يمكن ان تفسر الاعتقالات التي تجرى لبعض النشطاء السياسيين والحقوقيين، نزار رستناوي، محمد معشوق الخزنوي، علي العبدالله من نشطاء المجتمع المدني، ومحمد رعدون رئيس المنظمة العربية لحقوق الانسان، ومن ثم اعضاء مجلس ادارة منتدى الاتاسي للحوار ثم اطلاق سراحهم بعد ايام، واخيراً وربما ليس آخراً الناشطين محمد ديب وحبيب صالح، وهل يمكن ان ندرجها تحت عنوان الحد من تدخل الاجهزة الامنية في حياة المواطن السوري»!!.
ان مؤتمراً تحكمه الشروط والمناخات السابقة لن يجترح أي تغيير نوعي، ولعل جل ما يمكن ان يقوم بـــه فـــي حديث المتفائلين هو تبني قرارات «اصلاحيـــة» ليســـت اكثر من مناورة تكتيكية لتخفيف مأزق السلطة ومعالجة مشكلاتها الخاصة، وتكون في احسن الحالات اشبه باجراءات تجميلية او تغييرات شكلية لا تمـــس جوهـــر السيادة السياسة للنظام الحاكم ويراد منها تجديد قواه وتماسكه وتحسين اداء الحزب ومؤسسات الدولة المترهلة، ومن المرجح ان تعزز كما درجت العادة وكما يتوقع الكثيرون، بقرار لزيادة اجور العاملين في الدولة لكسب تعاطفهم وتخفيف حدة الاحتقان الاجتماعي الى حين!!.
والخلاصة، ان كل من ينتظر جديداً على صعيد الاصلاح السياسي من المؤتمر العاشر لحزب البعث لن يحصد غير الخيبة، فلا امل يرجى من اصلاح وتغيير ومعالجة حقيقية لازمات المجتمع السوري وامراضه، طالما تستمر وصاية الحزب الواحد على السياسة والمجتمع وطالما لا يصار الى اطلاق الحريات العامة وتحرر ارادة الانسان وطالما بؤر الفساد والولاءات العصبية المتخلفة تستوطن الدولة وتحولها الى ملكية خاصة، والاهم طالما لا تزال النخبة الحاكمة تبحث عن شرعيتها السياسية في شعارات وطنية وقومية وفي قوة القمع والارهاب وليس في صياغة علاقة صحية مع المجتمع اساسها نيل ثقة الناس لما تقدمه لهم من مكاسب سياسية واقتصادية، واحترامها لحقوقهم وحرياتهم وامانتها في توزيع عادل للثروة الوطنية ودفع عجلة التنمية الاجتماعية الى الامام.
كاتب سوري.
|