موقع دار الحياة
:التجديد الأخير 18:06 GMT - 2008/11/21

حال الطقس في 101 مدينة












«إنهم في مستشفى آخر»... كذبة بيضاء لإخفاء حقيقة «الغياب» ... مأساة عائلات في مستشفيات العاصمة

بيروت – فاطمة رضا     الحياة     - 02/08/06//

شاش يعلو شعر النساء، وقطع قطن تلف رؤوسهن، لتحل الضمّادات مكان الحجاب وتستر شعرهن بأنسجة بيض سميكة بدل الأقمشة الحريرية الملونة. أنسجة مماثلة لفّت كفوف الأطفال وأرجلهم الصغيرة، مضمدة حروقاً بالغة أصيبوا بها جرّاء القصف الذي طاولهم في منازلهم وملاجئهم. جروح عميقة نخرت وجوه الشيوخ والأطفال والنساء، فجفّت في داخلها الدماء، متحوّلة إلى بثور سود اللون، تتوزع أيضاً في مختلف أنحاء أجسادهم. وأطراف مبتورة من شاب هنا أو صبية هناك. يتكرر المشهد نفسه في غرف مستشفيات لبنان التي غصّت بالجرحى.

المنزل، الملجأ، السيارات المدنية، الشاحنات الصغيرة، ساحة القرية... تعددت الأماكن التي سقط فيها الجرحى في قرى بليدا، بنت جبيل، مروحين، صريفا، صور، قانا، الطيرة... وغيرها من قرى الجنوب اللبناني.
عائلة جرح جميع أفرادها في احد مستشفيات بيروت (أ ف ب)
عائلة جرح جميع أفرادها في احد مستشفيات بيروت (أ ف ب)

في غرفتين متجاورتين، في الطابق المخصص للأطفال، في مستشفى بيروت الحكومي ترقد ميرا (16 عاماً)، فاطمة (13 عاماً)، علا (3 سنوات) وآية (سنة ونصف)، وفي حين تلازم والدتهن المنخور جلدها بالشظايا عُلا وآية. يرقد الوالد أحمد العلي في طابق آخر، مبتور السّاقَين. عائلة العلي من قرية بليدا، كانت في ملجأ المنزل عندما طاولها القصف الإسرائيلي، قاطعاً العطلة الصيفية على أطفالها. «عندما اشتد القصف، انتقلنا الى الملجأ الأسفل في المنزل، ولكن الغارة دمّرت المنزل بكامله. أصبنا جميعاً، ووالدي بُترت رجلاه»، تقول فاطمة. وتضيف: «قالوا لنا اننا أُصبنا بقنبلة مسمارية، سببت لنا هذه الجروح العميقة. ولكن شقيقتي الصغيرتين أصيبتا بحروق خطيرة».

عائلة العلي ليست العائلة الوحيدة، التي أُصيب جميع أفرادها بالقصف، فقليلة هي الأسماء الفردية في المستشفيات. وإذا ما وُجدت تكون على شاكلة محمد الغيث (68 عاماً)، «أصبت أنا وزوجتي وابنتيّ، ولكنهن نقلن إلى مستشفى آخر لأن حالتهن خطرة». محمد الذي أصيب داخل منزله، مع عائلته، لأنه «لم يكن باستطاعتي ترك أرضي ومنزلي، بقينا هناك، ومن بعدها تعذّر علينا الخروج بسبب الحصار الاسرائيلي على القرى». ويستدرك: «يطلبون منّا الإخلاء ومن ثم يقصفون السيارات المدنية، ظننا أن المنزل أكثر أمناً ولكن...»، يجهش محمد بالبكاء. ويضيف: «أريد أن أراهنّ (بإشارة إلى بقية أفراد عائلته)... نزفنا يومين في مكاننا، من دون أن يتمكنوا من نقلنا إلى مستشفى، وبعدها نقلونا إلى قوات الطوارئ الدولية، ونزفنا أيضاً هناك طيلة يوم بكامله... فقدت الوعي واستفقت هنا». يسارع شاب، إلى تهدئته طالباً منه التصبّر، ويشدد على «أنهن» بخير. الخـــروج من باب غرفة محمد يفتـــــح باباً أمام حقيقة أخرى أكثر مرارة، فالشاب الذي قام بتهدئته، هو ابنه، يشرح قائلاً: «أمي وأخواتي استشهدن، ولكننا لا نستطيع إخباره بذلك الآن، ليس قبل أن تستقر حاله الصحية والنفسية».

طريقة وحيدة لإخفاء حقيقة «الغائبين» عن المصابين، يعتمدها أفراد عائلاتهم «إنهم في مستشفى آخر». طريقة قد تنفع مع الأطفال، ومع من فقد وعيه فور إصابته. ولكنّها تسقط أمام الناجين من المجازر المتفرقة التي ارتكبت على طول الطريق الجنوبية.

تنتحب رندا شعيتو، في غرفتها في مستشفى الزهراء، من دون توقف، وتردد «يا حبيب قلبي، أين أنت، هل استطاعوا نقلك إلى تابوت أم أنك لا تزال قابعاً على مقعد السيارة؟ وأمي؟ أين هي أيضاً؟ انتبه لها، هذه وصيتي لك». رندا تتوجه بكلامها إلى زوجها الذي بقي جثة هامدة في «فان الهروب». «فان» تحوّل إلى شاهد على غارة نفّذها الجيش الاسرائيلي على ركابه الهاربين من قريتهم الطيرة، في جنوب لبنان، إلى قرية «أكثر أماناً».

رندا نُقلت و14 شخصاً آخرين من أفراد عائلتها إلى المستشفى، فيما بقيت جثث والدتها وزوجها ورجل من القرية داخل الفان لأكثر من عشرة أيام. بعد أن تعرض موكب الصليب الأحمر الدولي الذي حاول إجلاءهم لقصف أدى إلى إصابة ثلاثة من مسعفيه. وتقول أختها منتهى: «رفعنا ثلاثة أعلام بيض على السيارة، صدّقناهم (إشارة إلى الإسرائيليين)، قالوا لن يستهدفوا السيارات المدنية، في حال وضعت الشارات البيض». وتضيف: «ابن خالي هو من أنقذنا. لم يتوقف أحد لنجدتنا، لم يتجرّأ أحد على تقديم المساعدة لنا، حتى قوات الطوارئ الدولية، خوفاً من أن نتعرض إلى غارة ثانية».

وفي الطابق المخصص للأطفال، يرقد أطفال عائلة شعيتو، وتقول ديانا (8 سنوات): «لمع ضوء أمامي. وفجأة رأيت دماء كثيرة. ناديت والدتي. هززت رأسها. قلت لها: ماما قومي لا تموتي، لا تموتي». وتوضح قائلة: «ماما أصيبت في يديها ورجليها وصدرها، أنا رأيتها. وبابا أيضاً أصيب كثيراً، وعمي مات». وتستدرك: «أخرجتها من الفان. نعم، سحبتها من رجليها إلى الخارج. ردت عليّ. لم تمت. سيأتون بها إلى هنا بعد قليل. إنها في مستشفى آخر لأن حالها خطرة».











  إتصل بنا  |  عن الموقع   أعلى الصفحة 

مجموعة الاتصالات الاعلامية  © 2007 Media Communications Group