قراءة في الجفاء المصري - الإيراني... أو «تطبيع التباعد»
بشير عبدالفتاح الحياة - 17/01/08//
 |
| حسني مبارك |
ربما تشي أجواء التعقيد المشوب بالغموض، التي تخيم على العلاقات المصرية الإيرانية، بأن لغزا ما بات يحول دون تلاقي القاهرة وطهران مجدداً. فعلى رغم وعي الجانبين للدوافع الإقليمية والدولية الملحة التي تستحثهما على إنهاء القطيعة المزمنة بينهما توخياً لمصلحتهما وخير أمتهما، وعلى رغم تأكيد كبار المسؤولين المصريين والإيرانيين سعيهم الحثيث لاستئناف العلاقات بين بلديهما، إلى حد إعلان الرئيس نجاد أخيراً نيته إعادة فتح سفارة بلاده في القاهرة إذا ما وافقت الأخيرة على ذلك، لا يزال الطرفان يتخذان من «تطبيع التباعد» شعاراً لعلاقاتهما.
ولا نغالي إذا ما زعمنا بأن شيئاً ما يتجاوز الملفات الخلافية التقليدية المعلنة كوضع اسم خالد الإسلامبولي، أحد المتهمين الرئيسيين في اغتيال الرئيس أنور السادات، ولوحة جدارية عنه على أحد شوارع العاصمة الإيرانية، أو شاه إيران الراحل الراقد في ضريحه في القاهرة، أو الخلاف المذهبي، أو حتى مراعاة القاهرة لموقف دول الخليج العربية وحسابات واشنطن، هو ما يقف أمام تقارب البلدين. ذلك أن قضايا الشارع والضريح والمذاهب، لا يمكن أن تحول دون تلاقي قوتين إقليميتين بأدنى قسط من البراغماتية أو شيء من الإدراك لضرورة وجدوى تصالحهما. وفي ما يتعلق بمراعاة القاهرة لموقف دول مجلس التعاون الخليجي، والتي تملي عليها رهن أي خطوة تقاربية مع إيران بتسوية القضايا الخلافية العالقة بين الأخيرة وتلك الدول، وفي القلب منها قضية الجزر الإماراتية الثلاث التي تحتلها إيران منذ قرابة عقود أربعة. إلى جانب ملفات أمنية وسياسية أخرى عدة يتصدرها البرنامج النووي الإيراني وطموحات طهران الإقليمية، يمكن الإدعاء بأن مثل هذا المعوق وإن كان له ما يبرره من الناحيتين الأخلاقية والسياسية، إلا أنه أضحى جديراً بإعادة النظر من قبل القائمين على صنع قرار السياسة الخارجية المصرية، خصوصاً بعد أن جنحت دول مجلس التعاون باتجاه التواصل مع طهران عبر اتفاقات أمنية وتجارية تتخللها زيارات ومحادثات لا تنقطع، خصوصاً بعد رسائل التطمين التي لا يكف المسؤولون الإيرانيون عن مغازلة دول المجلس بها بين الفينة والأخرى، والتي تشي بتراجع مبدأ تصدير الثورة الإيرانية لدول الخليج العربية وانتفاء أي نية إيرانية لإنتاج أسلحة نووية تقض مضاجعها. ولعل في ما جرى في قمة الدوحة الخليجية ثم مؤتمر المنامة الأمني مطلع الشهر الماضي، خير برهان على ما تشهده العلاقات الإيرانية مع دول مجلس التعاون من تحسن تدريجي، وإن بدا حذراً وبطيئاً.
فخلال مشاركة غير مسبوقة لرئيس إيراني في مثل هذا النوع من القمم الخليجية، طرح نجاد على القادة الخليجيين المشاركين في قمة الدوحة مبادرة شاملة للتقارب تتضمن 12 مقترحاً دعاهم لزيارة طهران بغية التباحث حول سبل تنفيذها. وفيها رأى هؤلاء القادة في مبادرة نجاد ما يستحق الاهتمام، لم يدخروا وسعاً في إبداء تحفظهم على ما طرحه وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس إبان مؤتمر المنامة السنوي حول أمن الخليج ومطالبته إياهم بتشكيل جبهة موحدة ضد إيران وإقامة درع صاروخي لمواجهة تهديداتها، ما يفصح عن جدية رغباتهم في مد الجسور مع إيران غير مكبلين بأي املاءات أميركية. كما رفض المسؤولون الخليجيون المشاركون في المؤتمر اعتبار إيران مصدر التهديد الأول لأمن المنطقة وسلطوا الضوء على الخطر الإسرائيلي، مؤكدين أهمية مكانة إيران بالنسبة لمنطقة الخليج، وإدراك دول مجلس التعاون لجدوى التفاهم معها، خصوصا بعد أن تكشفت لها مساعي واشنطن السرية في الدرب ذاته إثر فشلها في تركيع نظام طهران عبر سياسة الترهيب.
 |
| محمود أحمدي نجاد (رويترز) |
وفي ما يتعلق بالمتغير الأميركي في العلاقات المصرية - الإيرانية، فيمكن الإدعاء بأن حرص واشنطن على توسيع هوة الخلاف بين القاهرة وطهران فقد الكثير من تأثيره، لأسباب عدة أهمها مغالاة واشنطن في الضغط على القاهرة خلال الآونة الأخيرة، وتحريها سبلاً سرية لفتح قنوات اتصال مع طهران على رغم إظهارها العصا لها، فضلاً عن أن سعي واشنطن إلى تضييق الخناق على إيران ومصر معاً بجريرة تفاقم حدة الخلافات مع كل منهما على حدة خلال الآونة الأخيرة، كان من شأنه أن يحض الإيرانيين والمصريين على التحرر من إسار واشنطن والسعي بدأب لإعادة الدفء إلى علاقاتهما توخياً لكسر طوق الحصار الأميركي - الإسرائيلي، على نحو ما بدا جلياً في الغزل الحذر والبطيء الذي اعترى علاقات البلدين على أصعدة اقتصادية وثقافية ورياضية عدة خلال الآونة الأخيرة.
وعلى رغم تمهيد الطريق من قبل واشنطن ودول مجلس التعاون سواء عن قصد أو من دونه، أمام القاهرة للتخلص من برودها حيال مساعي التقارب الإيرانية، إلا أن القاهرة لم تستثمر تلك الفرص وظلت متمسكة بموقفها القلق والمتوجس من أي تقارب حقيقي مع طهران، فلربما ترتأي الحكومة المصرية أن ما تتضمنه المبادرات الإيرانية ليس كافياً لتبديد تلك الهواجس والشكوك، لا سيما أن تلك المبادرات لم تتغلغل إلى صلب الخلاف بين البلدين والمتمثل في أمور أمنية واستراتيجية وأيديولوجية تحتاج الى أرضية صلبة من التفاهم والتوافق الاستراتيجي من أجل تجاوزها، كأمن الخليج وتسوية الصراع العربي – الإسرائيلي والبرنامج النووي الإيراني ومستقبل التوازن الإستراتيجي في المنطقة والموقف من العراق. فتلك أمور تستوجب تحلي الطرفين بقدر من البراغماتية والمرونة يعينهما على التوصل لصيغ تفاهمية وتوافقية حولها وبلورة آليات تقاربية مستقرة وراسخة بصددها.
وبناء عليه، يمكن القول إن كل من مصر وإيران لديهما رغبة حقيقية وقناعة تامة بجدوى التقارب وضرورات التلاقي في ما بينهما، بيد أنهما غير مستعدتين بعد لدفع ثمن مثل هذا التقارب أو التلاقي وترسيخ أسسه ودعائمه من خلال إجراء حوار جاد وواقعي حول القضايا الخلافية الجوهرية العالقة بينهما، مخافة اضطرار كل منهما لتقديم أي تنازل في ما يتصل بحساباته المصلحية القطرية الضيقة، وهكذا بقي كل طرف يحاول شراء ود الآخر بأقل كلفة ممكنة لا تتعدى التواصل السطحي عبر الغزل الاقتصادي والثقافي والرياضي، كما يغلف تردده وعزوفه عن فتح الملفات الساخنة المعوقة لاستئناف العلاقات بينهما بتصريحات إيجابية جذابة في هذا الصدد. ومن هنا، ظلت الدواعي الجوهرية للتباعد بين البلدين جاثمة على علاقاتهما كشبح مخيف يأبى إلا أن يقوّض مساعي التقاء ملح بين قطبين إقليميين وإسلاميين.
كاتب مصري
|