الانتفاضة الشعبية التي أطاحت الرئيس زين العابدين بن علي في تونس، هي:

أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط
  • عيون وآذان (شكراً لكم جميعاً)
    الجمعة, 21 يناير 2011
    جهاد الخازن

    أقف أمام «البركة» في أسواق بيروت، وأتذكر السيدة سلمى مروة، رحمها الله. كيف؟ لماذا؟

    كانت الست سلمى، كما كنا نسميها، تصعد مساء الإثنين 16/5/1966 أدراج «الحياة» بعد اغتيال زوجها كامل مروة، ناشر «الحياة» في حينه ورئيس تحريرها، ورأت «الخال» (خال كامل مروة) جالساً على الدرج يبكي. انتهرته قائلة: «قوم، إحنا ما عندنا رجال تبكي».

    الست سلمى رحلت عنا. ارتاحت، ولا عين تشوف ولا قلب يحزن. وأنا أمام البركة أقاوم البكاء في شارع شبه خال. لم يبق رجال. لم يبق غير البكاء.

    شكراً 14 آذار. شكراً 8 آذار. شكراً التقدمي الاشتراكي. شكراً القومي السوري. شكراً الكتائب والقوات. شكراً لكم جميعاً. لم تتركوا لنا سوى البكاء. على الأقل لست وحدي في لبنان، دائماً الى جانبي الخوف رفيقاً، خوف من يومي، خوف من غدي.

    متى وقفت أمام «البركة» أول مرة؟ هل كنت دون المراهقة وأمي تمسك بيدي؟ متى وقفت آخر مرة؟ في أواسط السبعينات قبل أن أترك لبنان من دون أن أودعه؟ اجازة أسبوع في لندن أعود بعدها، ومضى العمر وأنا أعود ولا أعود.

    إذا كانت هذه هي «البركة» أين الناس؟ أين الجلاّب؟ أين نبض الحياة حولها؟ كيف تكون «بركة» وسوق الطويلة، ولا مكاتب لـ «النهار»؟ كم صعدت تلك الدرجات الى الطابق الأول. كم مشيت الى «العجمي» في نهاية الطريق. أمامي مبنى «الأوريان» الذي أصبح بعد ذلك «الأوريان لوجور»، بقية من بناء خلت منه روحه.

    قبل دقائق كنت في مبنى «الحياة» قرب ساحة النجمة (الساعة)، مع الزميل غسّان شربل، رئيس التحرير، في مكتبه ومعنا الوزير يوسف سعادة والأخ سليمان فرنجية، مسؤول الإعلام في المردة، وبعض الزملاء. كان الحديث راقياً مهذباً، لا إساءة لأحد أو استغابة. حاولنا أن نتبادل المعلومات والأفكار، أن نتلمس طريق المستقبل.

    تركت المبنى وأنا أفكر لماذا اللبنانيون طيبون كأفراد سيئون كمجموع. لا جواب عندي. الأذان يرتفع وأنا أمام الجامع العمري الكبير. الجامع لا يزال كبيراً ولكن الناس صغرت. لا الأذان أذان ولا الآذان آذان (مع الاعتذار من أحمد شوقي). عندنا 17 طائفة والكل يعبد الله ويكفر بلبنان. أزمة جديدة. هل هي الأزمة السابقة مستمرة؟ هل هي أزمة واحدة منذ الاستقلال وحتى تقوم الساعة أو ساعة البلد وأهله؟

    عبرت الشارع أمام الجامع، وقد غاب الترامواي الذي كنت أستقلّه في الذهاب الى المدرسة، وانتهيت أمام «البركة».

    متى أعود مقيماً لا زائراً؟ كنت أريد أن أعود الى الوطن لأعيش فيه. اليوم بت أخشى أن أحرم فرصة أن أعود لأموت فيه. سبقني الذي قال: «إذا مت في الغربة بْطُقْ». كلام لبناني ترجمته انه يموت قهراً، يموت مرتين.

    كنت أخذت معي من لبنان زملاء للعمل في الجرائد التي رأست تحريرها في الخارج. بعضهم مات في لندن ودفن فيها أو حولها. الله يرحمك يا محمود كحيل، زميل الجامعة و «الديلي ستار» و «الشرق الأوسط».

    غالبت الدمع يا ست سلمى. «ما عندنا رجال تبكي». هاتفت ابني في لندن. لقبه «أبو عرب». قلت له إنني يائس مُحبط وأريد كلمات ترفع الغمّة عن قلبي.

    لم يكن أول اتصال من نوعه، والابن يعرف ما أقول ويفهم كلامي، فكم مرة اتصلت به من بيروت، وقد بحثت عن ذكرياتي فيها ولم أجدها.

    رد غاضباً: بابا إنسَ الموضوع.

    أنتَ تحب أرتيست لها كل يوم حبيب آخر. أنت تفكر كعاشق وقلبك يغلب عقلك. البلد الذي تعرفه راح ولن يعود. ربما لم يكن موجوداً.

    أودعه وأمشي حول «البركة» وأفكر. استيقظْ يا رجل. هل لبنان الذي اختزنته ذاكرتي لم يوجد. هل رسمت على امتداد 35 سنة في الغربة أوهام بلد؟ متى أفيق. بعد يومين أنا في لندن لأنسج الوهم من جديد.

    تركت الأسواق وخرجت الى الشارع، ومطر خفيف يسقط على رأسي ووجهي. السماء بكت معي.

    [email protected]

أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط

تعليقات

عيون وآذان (شكراً لكم جميعاً)

أطال الله في عمر كاتبنا العظيم وامتعه رؤية لبنان مستقراً وصامداً في وجه العواصف ، ورحم الله كل اصدقاء وزملاء الكاتب.

عيون وآذان (شكراً لكم جميعاً)

أخي جهاد
أن أسال طريقة لكره الحياة هي التشاؤم بحيث لا يرى المرء شيئا أيجابيا في هذه الحياة. لبنان كان الرئة التي يتنفس منها العرب التسامح والتعددية والحرية والتحديث والوطنية. الشيخ بشارة الخوري رحمه الله، كامل مروة، شكيب الدين ارسلان، الحياة والرعيل الأول من الصحفيين المبدعين مثل جهاد الخازن ، أبو ظهر، أياد أبو شقرى ناهيك عن العديد من الشعراء والأدباء والسياسيين والفنانين وغيره الذين جهلوا من لبنان وجهة لكل عربي يبحث عن جو من التعدد والحرية والتحديث لكن ضمن أطاره العربي وكان البنانيون بطيبتهم وعفويتهم العهودة يرحبون بالجميع . لكن الان... الان لبنان هو عدة طوائف ودويلات والكل يدعي الحرص على مصلحة لبنان لكن الأغلبية يعملون لا لمصلحة لبنان العرب بل لمصالح أخرى وأن ادّعوا غيرذلك. أخشى أن أموت قهرا أن خسرنا لبنان وخسر لبنان نفسه مع انني لم أزره قط الا بحبي وصلواتي له ان يعود كما كان.

عيون وآذان (شكراً لكم جميعاً)

يا سيدي
أنا استغرب كثيراً ... كثيراً .. كثيراً كمواطن عربي
ما الذي يجر بلدًا صغيراً أنيقاً كلبنان إلى مستنقع الفوضى هذا ؟
ليست بلدا نفطية فيدب الحسد في قلوب الطوائف !
ليست بلدا كبيرة المساحة بحيث تكون السياحة ذات مصدر كبير يؤدي إلى حسن أحوال المعيشة بشكل كبير !
أرجو منك أو من أي لبناني أن يشرح لي لماذا؟

عيون وآذان (شكراً لكم جميعاً)

الله يعطيك العافية يا استاذ جهاد, فالاوطان غالية
والذكريات صادقة وجميلة وباكية .

عيون وآذان (شكراً لكم جميعاً)

عد إلى بلدك ومت فيه , فيبدو انك كصاحبك الذي بـ ( يطق ) إذا مات خارجه , لم يبق من العمر الكثير( ونتمنى لك طول العمر ) ولكن راحة الغربة واطمئنانها لا تساوي شيئا إزاء ذكريات العمر لا سيما في خريفه , يقول الشيخ علي الطنطاوي في ذكرياته ( اخشى ما أخشاه أن أموت بعيدا عن دمشق إنها إذا لحسرة العمر ) ومات رحمه الله دون يكحل عينيه كما تمنى برؤية دمشق وقاسيون الذين تغزل بهما كما لم يتغزل قيس بليلى , ما أصعب الغربة عن الوطن لا سيما إذا كان كلبنان , إياك أن تموت بعيداً عن وطنك ..إياك .

عيون وآذان (شكراً لكم جميعاً)

هوِّن عليكَ يا سيدى فمن رأى مصائب غيره حمد الله وهانت عليه مصائبه. الأستاذ يجترٌّ الذكريات وينسى انه يذهب الى لبنان ويعود منها معَزّزاً مكرَّماً. فى مطار القاهرة تشعر بالانقباض والغربة بمجرد أن تطأ قدمك ارض بلادك. العاهرات من اسرائيل واوروبا يُستَقْبلن على باب الطائرات بكل ترحاب بينما خِيرة ابناء مصر ومنهم مثقفون واطباء واساتذة الجامعات تٌجْمَع جوازات سفرهم فى اهانة بالغة ويٌقال لهم "اركن على جنب" مع العلم ان مدخرات وتحويلات هؤلاء الصفوة هى عماد اقتصاد البلد. د. البرادعى نفسه لم يسلم من الاهانة وقالوا له "اركن على جنب" بعدما كان يٌسْتَقبَل فى قاعة كبار الزوّار يوما ما. ثم يٌفرَج عن الجوازات وتٌوَزَع بإهانة أخرى بينما العاهرات قد وصلن ونِمنَ معززات مكرمات. بالله عليك لا تكتب لنا عن سنغافورة مرة أخرى. سنغافورة تقدمت وتحضّرت لأنها بلاد لا يسكنها ويتحكّم فيها مثل هؤلاء

عيون وآذان (شكراً لكم جميعاً)

استاذ جهاد ,تحيةتقدير واحترام لقد احببت لبنان حبا عظيماونحن احببنالبنان حبا عظيما وكل اللبنانيين الذين قابلتهم يجمعون على حب لبنان الا انه صدق من قال :-ومن الحب ما قتل . فهل نحن نستحق ان نكون لبنانيين ؟اتساءل هل قتل لبنان ؟ من يحاول قتل لبنان ؟اعتقد انك بعلاقاتك الواسعة واطلاعاتك المتعددة والمتنوعة تستطيع ان تعطينا جوابا.لقد ان الاوان ان ينهض لبنان ويفيق اللبنانيون جميع اللبنانيين من سباتهم ويبنوا وطنا حرا كريما. ولك مني خالص الدعاء بالصحة والعافية وتمنياتي لابنك العزيز بالتوفيق واخبره ان بيروت مش ارتسيت بيروت عروس وحتبقى بعيون كل محبينها احلى عروس برغم كل الذي يحصل لها,بيروت اكبر من الكل ولبنان الصغير بمساحته اكبر بكتير من بلدان مساحتها اكبر منه.شكرا لجريدة الحياة

عيون وآذان (شكراً لكم جميعاً)

الله يساعدكم دكتور جهاد
فنحن العراقيين نتابع الاوظاع في لبنان ونتألم كثيرآ ونحمل في قلبونا هم للشارع للبنانيين نفسهم .
لبنان فعلآ اليوم في محنة كبيره قبل يومين تابعت خطاب السيد حسن نصر الله واليوم تابعت خطاب الرئيس سعد الحريري وكأنها بداية حرب وخوف من القادم وترقب على الاحداث المرعبه القادمه .فلبنان يهم كل العرب .
قبل الاحداث ان تسوء قررنا على العطله الربيعيه ان نحجز ونأتي الى بلدكم لبنان لنقضي وقت جميل وخاصه كثير من زملائنا اتفقنا معهم لنطلع معآ لكن صدمنا بسوء الاوظاع التي تدهورت بسرعه .

اضف تعليق

بريدك الإلكتروني لن يظهر علناً احتراماً للخصوصية