أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط
  • تشويش إسرائيلي
    الخميس, 10 نوفمبر 2011
    حسان حيدر

    كان يمكن أن يكون لتقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن الأنشطة الإيرانية وقع أكبر، على رغم خطورته البالغة، لولا أن استبقت إسرائيل صدوره بضجة إعلامية وسياسية حول عزمها على شن هجوم عسكري على إيران. لكن للدولة الوحيدة المسلحة نووياً في الشرق الأوسط حتى الآن، مقاصد أخرى من بينها الالتفاف على التقارير الأخيرة التي تشير إلى مواصلتها تطوير ترسانتها النووية وتدعو إلى مساءلتها، وأيضاً التشويش على الربيع العربي وعلى التعاطف الدولي الذي يلقاه تحرك الفلسطينيين لنيل اعتراف الأمم المتحدة بدولتهم.

    فقد تزامنت الضجة الإسرائيلية مع تقرير نشرته «الهيئة البريطانية - الأميركية للمعلومات الأمنية» المستقلة قبل عشرة أيام، يؤكد أن الدولة العبرية تطور صواريخ عابرة قادرة على حمل رؤوس نووية وتزيد من قدرات غواصاتها على إطلاق هذا النوع من الصواريخ. ولذا بدت تهديدات إسرائيل بمثابة إعلان مباشر عن أنها جزء من «النادي النووي الدولي» الذي يرفض انضمام إيران إليه، وتأكيد بأن ترسانتها النووية أمر مفروغ منه وليست موضع مساءلة.

    وليس من قبيل الصدفة أن تلوح إسرائيل المستاءة من تداعيات الربيع العربي بضرب إيران في الوقت الذي وصلت الأمور في سورية إلى مرحلة حرجة مع الفشل المدوي لمبادرة جامعة الدول العربية في دفع النظام إلى وقف القتل والاعتقالات، ما قد يدفع الجامعة بعد غد إلى تشدد مأمول في موقفها من دمشق، ويفتح الباب أمام تحرك جديد للمجتمع الدولي سواء عبر مجلس الأمن أو عبر فرض عقوبات أقسى بحق الحكم السوري. كما يأتي في وقت حسمت إيران داخلياً مسألة دعمها اللامحدود للنظام السوري مع تلاشي التحفظ الضعيف الذي أبدته بعض قياداتها، بحيث تبدو الحملة الإسرائيلية على طهران تظهيراً لموقف الأخيرة مما يجري لدى حليفها الوحيد في المنطقة، وتصفيقاً مجانياً لقطبي «الممانعة» اللذين «يقلقان» إسرائيل، ومصادقة على نظرية المؤامرة التي يروج لها نظاما دمشق وطهران، ويتهمان أنقرة بالتورط فيها.

    وإذا كان «الاكتشاف» الذي توصل إليه الرئيس الفرنسي ساركوزي لإحدى الخصال السيئة العديدة لبنيامين نتانياهو، أي الكذب، وإقرار الرئيس الأميركي أوباما غير المباشر بذلك وشكواه من «اضطراره» إلى التعامل يومياً مع رئيس وزراء إسرائيل، أمراً معروفاً تماماً لدى العرب عموماً، والفلسطينيين خصوصاً، المضطرين أيضاً إلى التعامل اليومي مع نتانياهو وجيشه المحتل، فإن الدولة العبرية التي تعيش هزيمة ديبلوماسية قاسية مع الاعتراف الدولي المتدرج بدولة فلسطين، تتوسل في هجومها «الافتراضي» على إيران لعب دور الضحية المهددة في أمنها مجدداً، وتحذير أوروبا، بعد أن صوتت فرنسا لصالح عضوية فلسطين في منظمة «يونيسكو»، من أن مسايرة المسعى الفلسطيني سيخرج إسرائيل عن طورها ويدفعها إلى قلب الأوراق في المنطقة بما لا يشتهي العالم الغارق في أزماته المالية والداخلية والذي يحسب ألف حساب للحل العسكري للملف الإيراني.

    يقول المثل الشعبي إن «من يكبّر حجره لا يضرب»، بل يناور. فإسرائيل تعرف أن أي هجوم على إيران قد يدفع هذه إلى تنفيذ تهديداتها بتوجيه ضربات عشوائية في المنطقة، سواء مباشرة أو عبر أذرعها فيها، وأن ذلك سيؤدي، إضافة إلى الانقسام السياسي الدولي، إلى ارتفاع هائل في أسعار النفط يجعل الدول المستوردة، وخصوصاً الأوروبية، تنوء تحت تبعاته الاقتصادية، ويجر الولايات المتحدة الملتزمة أمن إسرائيل بالمطلق إلى مواقف مناقضة لمصالحها ولمصالح أصدقائها في المنطقة، لكن الأرجح أن إسرائيل تريد ابتزاز هؤلاء جميعاً بتنبيههم إلى عواقب العزلة التي تعيشها.

أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط

اضف تعليق

بريدك الإلكتروني لن يظهر علناً احتراماً للخصوصية