أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط
  • من «كهف المدرسة» الى «كهف الثورة»: طلاب اليمن نجحوا في امتحاناتهم
    الإثنين, 14 نوفمبر 2011
    صنعاء - علي سالم

    «الناس قد يحتجون في حال رسب ابناؤهم، أما إذا نجحوا وحصلوا على درجات عالية فهذا أمر يثلج صدور الآباء، حتى وإن علموا ان النجاح غير مستحق» بهذه العبارة يلخص عبدالرحمن وهو مدرس ثانوي التواطؤ بين الحكومة والمواطنين في تكييف نتائج الامتحانات ما يؤدي الى إدامة فساد التعليم وبالتالي ديمومة فساد النظام السياسي والاجتماعي.

    وكانت نتائج امتحانات الثانوية العامة المعلنة الاسبوع الماضي أثارت مجدداً التساؤل عن مدى مطابقة المؤشرات التي تعلنها السلطات اليمنية مع حقيقة ما يحصل على الارض، خصوصاً أن نتائج هذا العام جاءت غير بعيدة عن نتائج الاعوام الماضية. وكأن شيئاً لم يحدث وكأن العملية التعليمية مرت بسلام. وهو أمر يخالف تماماً الوقائع على الارض. فالمعلوم أن احتجاجات الشباب اليمني المطالبة بتنحي الرئيس اليمني وابنائه واقاربه عن الحكم والمستمرة منذ اكثر من 9 شهور صاحبتها فوضى أمنية وقتال واضراب كثير من المدرسين والتلاميذ ممن جمعهم شعار «لا دراسة ولا تدريس الا بسقوط الرئيس». كل هذا أدى الى شلل العملية التعليمية في عدد من المناطق وعدم انتظامها أو توقفها كلياً في مناطق أخرى خصوصاً تلك التي شهدت اعمال قتال شامل او محدود مثل ابين وتعز وصنعاء. ناهيك بسقوط مناطق بكاملها مثل محافظتي مأرب والجوف بيد «الثوار».

    على رغم ذلك لم تشأ حكومة تصريف الاعمال ممثلة بوزارة التربية والتعليم ان تدير ظهرها لمنطق «كل شيء على ما يرام، كل شيء في أحسن حال» وهو منطق لطالما لازم عمل الحكومات المتعاقبة.

    واستهجن تربويون استمرار الحكومة في تكييف نتائج الامتحانات وفقاً لرغبات سياسية. ويقول محمود وهو موجه مواد اجتماعية: «يبدو أن الحكومة لم تستنفد بعد إمكان التزويق واحابيل تقديم القرد في صورة غزال». موضحاً أنه وعلى رغم الثورة الناشبة ضد النظام إلا ان الوزارة لم تشأ أن تعترف بوجود قصور في العملية التعليمية لتقدم صورة واقعية لنتائج الامتحانات. ودرجت السلطات المختصة على ترفيع درجات الطلاب وتوزيع اوائل الشهادات العامة على المحافظات لاغراض سياسية حسب ما يقول تربويون.

    وكان النظام التعليمي، سواء ذاك الذي طبق في الشمال ام في الجنوب عمل على تكريس الخضوع من طريق العمل بمنهجية الفرض والتلقين. ودأب على بلورة وعي يقوم على ثنائية الهجاء والمديح. ومنذ سنواته الأولى يشحن الطالب بمفاهيم ثقافة هجائية للاسرة «البائدة» التي حكمت شمال اليمن وللاستعمار البغيض الذي حكم جنوبه.

    على هذه الشاكلة، أي توجيه الطالب نحو وجهة وحيدة هي الماضي، عملت اقنية التعليم والاعلام على تشكيل الخيال الوطني لدى الناشئة والشباب. ومقابل الاعداء الذين يأتون من الماضي يتم تغييب أخطاء الحاضر وتحل محلها صورة مضيئة لـ «القائد الرمز» أو «الحزب الطليعي» الذي يقود الشعب الى التحرر والرخاء. ويصد الأعداء المتربصين بالوطن والثورة.

    وليس مستغرباً، والحال كذلك، أن يكتشف بعض شبان الثانويات والجامعة، أخيراً، وتحديداً في الساحات، أن مجموعة غير قليلة من ابناء الرئيس واخوته وأقاربه وابناء عشيرته يمسكون بمفاصل المؤسستين العسكرية والامنية ويديرون دفة الحكم. وثمة بين هولاء الشبان من يجد صعوبة في فهم وجود اسرة تحكم كما كانت الحال في الماضي. يقول طلال (19 سنة) ظننت ان المشكلة تكمن فقط في احمد نجل الرئيس.

    ومن المرجح أن ملامح اللاعقلانية المتبدية اليوم في ساحات الاحتجاج هي نتاج للاعقلانية كرسها نظام التعليم على مدى نصف قرن. ولا تقتصر ظاهرة الببغاوية على الشباب الاصغر سناً بل تصل الى اساتذة الجامعات. وثمة بين الاكاديميين المناوئين للنظام من يكرر مفاهيم آتية من حقل الايديولوجيا مثل مفهوم سرقة الثورة. وحقيقة الامر أن ما يحصل من تكييف في نتائج الامتحانات هو عين ما تفعله الايديولوجيا بما هي صورة زائفة للواقع.

    ويؤدي عدم ربط التلاميذ بواقعهم المعاش الى خلق أجيال تحركها الشعارات والعواطف. وسبق لوزارة التعليم أن أوقفت العمل في برنامج للتربية المدنية مولته مؤسسة دولية بالتعاون مع منظمة محلية غير حكومية واستهدف تضمين النشاط المدرسي حصصاً تساعد الطلاب على التفكير الذاتي وحل قضايا راهنة يعيشها مجتمعهم.

    وتزداد الصورة قتامة حين نعلم أن بين مكونات المعارضة احزاب أسرية. وكانت التنشئة السياسية عززت البطريركية والاتباعية من خلال اعادة انتاج الطاعة وعبادة الرموز من قبيل «مؤسس الحزب» او «القيادة التاريخية».

    ونظراً الى الحضور القوي للشبيبة الحزبية في ساحات الاحتجاج صارت تعبيرات رموز الثورة الشبابية اقرب الى الماضي اكثر منها الى المستقبل أو الى اللحظة الثورية الراهنة.

    ومعلوم أن الجماعات السياسية بمختلف مشاربها ظلت تتبارى وتتسلل الى النظام التعليمي لتمرير أجندتها الايديولوجية والمذهبية وليس لغرض تحديث التعليم وعقلنته.

    والحاصل أن التباين الذي تشهده ساحات الاحتجاج اليوم، وهو ضرب من التمترس وراء رموز الماضي اكثر منه انفتاح على المستقبل، يضيق من فرص تثوير التعليم حتى بعد اسقاط النظام. وثمة من يخشى أن تتحول الثورة الى كهف آخر من كهوف تأبيد اللاعقلانية.

أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط

اضف تعليق

بريدك الإلكتروني لن يظهر علناً احتراماً للخصوصية