أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط
  • ربما - لماذا أصبح الحجّاج أرحم عند ابنه؟
    الاربعاء, 16 نوفمبر 2011
    بدرية البشر

    في القصة التراثية الشهيرة، عُرف الحَجّاج بأنه أكثر الحكام دموية وسفكاً للدماء، وأنه عند حربه مع ابن الزبير رضي الله عنه، رمى الكعبة بالمنجنيق من فوق جبل أبو قبيس سنة 73هـ تقريباً، ورغم هذا، فإن الناس عندما مات ترحموا عليه، وقالوا رحم الله الحجاج عند ابنه، وذهب هذا القول مثلاً بين الناس يستخدمونه بعد سقوط صدام وزين العابدين ومبارك، دون أن يفطن الناس كيف صار الحجاج رحيماً عند ابنه... تروي الحكاية أن الابن، وعملاً بوصية أبيه، شق طريقاً تمشي فيه جنازة أبيه بشكل مستقيم حتى قبره، فأسفر ذلك عن هدم بيوت الناس وتشردهم. هذه الحكاية هي مختصر ما يحدث اليوم للفراغ الذي ينتجه سقوط الأنظمة العربية، بدءاً بصدام وانتهاء بعلي صالح الآيل للسقوط. النظام الذي كرهه الناس وثاروا عليه ثم عاد بعضهم يدلل به أو يترحم عليه، لأن الحال كما رأوه لم يصلح، بل زاد سوءاً، فهم لا يفهمون لماذا كانت البلاد مستقرة حين حكمها الطغاة، وفوضوية خربة حين جاءت الحرية؟

    العراق بعد صدام انهار وأصبح الناس شيعاً، ومصر بعد مبارك غرقت في الفوضى، وتونس غرقت في القلق.

    ومثلما لم يفطن أحد إلى أن ما فعل ابن الحجاج كان بفعل وصية أبيه، فإن أحداً لم يفطن أن ما غرقت فيه البلاد بعد الثورة هو نتاج النظام نفسه ومسؤوليته.

    حين طردت الشعوب العربية المستعمر وتسلمت السلطة جماعة محلية، لم تجد حكماً أفضل من الحكم الشمولي الذي يختصر الحاكم في الدولة، ويختصر الدولة في الحاكم، فتقلد جميع السلطات، ووضع الثروة في صندوقه الشخصي يوزعها بحسب المخطط العائلي والقرابي والقبلي، القانون هو وهو القانون. كل يحتكم بأمره ويلهج بحمده. الاستقرار الذي عرفته تلك الدول لم تعرفه بسبب تجربة حكم المؤسسات الديموقراطي وتعدد الأحزاب، بل بالقوة والحديد وبالجبر والأمن المركزي. غيبت الحياة السياسية، والعمل المدني السياسي، لكنك حين تطرد الحياة السياسية من الباب فإنها تدخل من النافذة، فتعود من المنابر الثقافية الأخرى وفي المسرحيات وفي القصص والروايات. الشيء الوحيد الذي نجحت هذه الأنظمة في توليده هو المعارضة، لكنها معارضة لا تعيش ولا تزدهر إلا في الخارج. كل تجربتها العملية الاحتجاج. الاحتجاج على الظلم وفضح النظام. لهذا حين تسقط هذه الأنظمة يحدث الفراغ السياسي، لا يوجد متمرسون على الفعل السياسي، كل ما يملكه المحتجون هو الخطابات. لهذا سقطت بغداد بعد صدام، وغرقت القاهرة بعد مبارك في الفوضى، وتونس في القلق، وتهتز صنعاء دون علي صالح.

    لا تلوموا الثوار والأحزاب الجديدة الذين جاؤوا صفر اليدين خلو الوفاض من التجربة. لم يتح لهم من قبل ممارستها، لأن الطغاة لم يسمحوا لأي حياة تولد وتمارس وتبتكر في حضورهم. لأنهم لم يطيقوا الاحتجاج ولا النقد ولا التصويب. ومثلما أن في الحكاية التراثية من صنع ابن الحجاج هو الحجاج نفسه، فإن من صنع هذه الفوضى هو النظام نفسه، وليس للشعب سوى أن يكتسب التجربة بالممارسة حتى ولو أخطأ، المهم أن لا يستخدم غياب التجربة عذراً ليعود لحكم شمولي يعيد صناعة الطغاة مرة أخرى.

    [email protected]

أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط

تعليقات

ربما - لماذا أصبح الحجّاج أرحم عند ابنه؟

دكتاتور واحد خير من مليون حزب والدليل ما يحدث الآن في كل الدول التي فقدت زعماء حكموا بالحديد والنار وكانت بلادهم آمنة

ربما - لماذا أصبح الحجّاج أرحم عند ابنه؟

عزيزتي بدرية
تكثرون من المقارنة أو التشبيه بالحالة العراقية وهي تختلف كلياً عن باقي الحالات ولست هنا في مجال الدفاع عن نظام صدام حسين ولكنها الحقيقة الواضحة فالعراق لم يتغير بثورة بل بإحتلال شارك فيه الخونة ممن يحملوا جنسيته مع  أنظمة عربية في حينها
مع التحية

ربما - لماذا أصبح الحجّاج أرحم عند ابنه؟

أختي بدرية
برائي هذا المقال سابق لأونه و التجربة السياسية أو الديمقراطية لم تبدأ بعد في الدول التي حدثت فيها ثورات و لازال السواد الأعظم من الشعوب العربية يؤمنون أن ثورات الربيع العربي لا بد منها و أنها أنتصار على الاستبداد و الظلم. الاحزاب و التكتلات السياسية تفعل جاهدة لانجاح التجربة السياسية و تحويلها من تجربة صورية الى تجربة ناجحة تبهر العالم أجمع... حتما سيكون المستقبل العربي اجمل و افضل من زمن الانظمة التي حمكت شعوبها بالنار و الحديد. أما عن التجربة العراقية فهي تجربة مختلفة كليا عن الربيع العربي فهي لم تكن ثورة بل كان احتلال و عدوان متذرعا بتبريرات و أسباب واهية و مزيفة. المحتل دخل البلاد و جلب معه طاقم من السياسيين كانوا السبب الرئيس في خلق طائفية و فساد و نهب و تعدي على المواطنيين الشرفاء. بسبب الأحتلال تأخرت العراق عشرات العقود حتى اصبح المواطن العادي يردد "جحيم صدام و لا نعي

الخلاص من كل شمولية

مع الكاتبة في العنوان والنص حيث وُفقت كثيرا بإيصال المعنى والمغزى.
ويبقى القول بأنه مهما حصل من متاهات بعد الثورات فلا عودة أبدا لنظام الحكم الشمولي من جديد, لاعائليا ولاسياسيا ولاعسكريا ولاأمنيا, فالزمن القادم هو للشعب, وتحديدا هو لشباب الشعب الحر الواعي المثقف, وهؤلاء الشباب هم أصلا خارج مفهوم العامة والرعية الذين يترحمون بداهة وتسطحا على الطاغية بعد رحيل الطاغية.

أيمن الدالاتي _ الوطن العربي

ربما - لماذا أصبح الحجّاج أرحم عند ابنه؟

تحليل صادق وواقعى ومنصف.البلاد كانت خاوية وخالية من المؤسسات والقوانين فطبيعى ان تحدث الخلخلة والفراغ عندما يذهب الحاكم علاوة على ان البلطجية اوجدتهم ورعتهم اذرع النظام من امن الدولة وغيرهم. أنا الآن فى زيارة لمصر واشعر بالفوضى وانعدام الأمن والأمان, بل اشعر انها خطة مٌبَيَّتة ومقصودة حتى تعم الفوضى ويترحم الناس على أيام مبارك, والناس لن تترحم ابدا على مبارك وايامه حتى لو غرقنا جميعنا فى نهر النيل. ومن هنا اقول للمجلس العسكرى بالإنابة عن اهل مصر ان بلدنا اكبر واعظم مما تعيشه الآن واذا كنتم لا تستطيعون فرض الأمن والانضباط داخل البلد فكيف نثق انكم قادرون على حماية حدودها من الخارج؟ نحن نحب ونحترم جيشنا العظيم كرمز لكرامة مصر ولنا فيه شهداء اما المجلس العسكرى فهم افراد وبشر يخطئ ويصيب, فاما ان تؤدوا واجبكم كاملا واما ان ترحلوا فلا حاجة بنا الى ثورة اخرى قد تأخذ فى طريقها الأخضر مع اليابس

اضف تعليق

بريدك الإلكتروني لن يظهر علناً احتراماً للخصوصية