أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط
  • عابر حياة - صورة وصورة
    الأحد, 20 نوفمبر 2011
    ثريا الشهري

    يقول عباس محمود العقاد: «يبدأ الشاب بالنزعة الواقعية، ثم ينتهي إلى التعديل فيها، وليس من الضروري أن يبدأ بالخيال وينتهي بالنزعة الواقعية، على أن الحقيقة أن النزعة الواقعية عند الشاب لا تخلو من الغضب العنيف على محاسن الخيال والأمثلة العليا. فكما أن الفتى المدلّه يشعر بالخيانة من حبيبته فيروح ثائراً غاضباً يقسم أنها دميمة وحقيرة ولا تستحق منه الشغف ولا الغضب، كذلك يفعل الشاب الذي يخيب أمله في المثل الأعلى فينقلب عليه ثائراً غاضباً، فيقسم أنه خرافة، والحياة كلها مادة، وأن الإنسان حيوان وخير له أن يعيش كالحيوان، فلا ينبغي أن نصدق العاشق الثائر على الحبيبة، ولا الفتى الثائر على المثل الأعلى، فالعاشق يثور وينكر جمال حبيبته لأنه يحب ويريد أن يحب، والفتى يثور وينكر جمال المثل الأعلى لأنه يؤمن ويريد أن يؤمن».

    إنها فلسفة قد تصف حماقة الفتاة المصرية (21 سنة) التي نشرت صورتها على النت عارية، فمن لا يبالي لا يحتج، وإن كان مفروغاً منه الإشارة إلى الحدود التي جنحت الفتاة فتجاوزتها بتصرفها المستهجن، ولكن الأغرب أن تجد نساء تؤيدنها، بل تهددن بالحذو حذوها! ناهيك عن رضا خطيب الفتاة - ويدعى كريم - وتسليمه برعونتها بنشره لصورته العارية على صفحتها في «فايسبوك»، فهل وصلنا بحلولنا إلى الاقتناع فعلياً أن الانتحار بمعنييه هو وسيلتنا للتعبير؟

    فما الفرق بين حرق البوعزيزي وعري الفتاة؟ كلاهما حكم على نفسه بالإعدام، غير أن الأول نصّبوه بطلاً، والثانية وُصمت بـ «الفُجْر» وبكل عبث يرميه المرء على غيره ليشعر أنه الأفضل، لكن هذا لا ينفي موت الاثنين، واحد بشكل مادي صريح فدفن بما تبقى منه، والآخر قيل إنه لا يزال يتنفس والأرجح أن الحياة فارقته من دون علمه، فإذا لم يصل إلى تفكير علياء بعد - وهو اسم الفتاة - أنها بخروجها ذاك قد قُبرت في نظر مجتمعها أو معظمه، فتأكد أن استيعابها سيكون مسألة وقت، هذا إن استمرت إقامتها في مجتمع أدارت ظهرها لقيمه وتقاليده وتعاليم دينه، فإدراك الواقع لا يتأتى لإنسان لا يزال محدوداً بسنواته الغضة، وبشلة المشوِّشين عليه، كما أن الشاب ليس في وسعه العيش في عمرين ونضجين مختلفين، فإن كان مرور الزمن لن يغير تماماً في عناصر النفس، وهو أقرب إلى: من أنت من الأساس، بما فيها من أخلاق وأطوار وشهوات لن تختفي وكأنها لم تكن، غير أنها ستختلف في أحوالها من الفوران إلى الاستقرار، وعندها سينظر المرء إلى ما قدمت يداه!

    ففي مرحلة الشباب يكون الغليان قوياً، تختلط فيه المواد فتذوب وتتحلّل، فلا تكاد تميزها حتى تغيب عنك، حتى إذا مر الشباب ورسب ما قد رسب، وطفا ما قد طفا، فقلّ اختلاط موادك، وبنسبة أقل ذوبانها وتحلّلها، وإذا إحصاؤك لم يعد عصياً ولا صعباً، فتتعرف على تجاربك، وما رسا منها الواحدة تلو الأخرى. فإن كان في الغليان قوة، فإن في الوضوح معرفة وهي القوة الأخلد، فماذا عندها إذاً؟

    حين توقن أن اختياراتك في شبابك عقّدت الجزء الآخر من حياتك، قد تتحملها وتبلع همك وتمضي مهاجراً مطأطأ رأسك، وقد لا تقوى فتلفظ معاناتك ومعها رمق حياتك، وهذا ما أتوقعه للفتاة التي يتحمل طيشها ومصيرها المأزوم كل مسؤول فرّط في أمانته، وكل منافق تزلّف باسم الدين والأخلاق، فاختلال الفتاة وكفرها بكل شيء، وراءه صدمة وفجيعة في كل شيء، وكل هذا ولا نظل «نطبطب» على المفرِّطين والمرائين ونوسع لهم، فكم إنسان قضى عليه هؤلاء المفسدون! وكم امرأة أعدمت على أيديهم! أو أفلتت من إعدامهم فتوحّشت! فإن بحثت عن الجلاد، فهو يحاضر في شرف الضمير وأخلاقيات الكرامة وأصوليات المحافظة، وبموافقة المجتمعين ومباركتهم، أتدرون شيئاً! قبل أن تتبرأ حركة 6 أبريل من عضوية الفتاة، وتتهم الدول والفضاء بالتآمر ضد الثورة وأهدافها «النقية»، وقبل أن تُرجم الفتاة بحجارة الطهر المزعوم، فلننظر جميعنا إلى بيوتنا ومؤسساتنا فنرفع ظلمنا ورياءنا عنها، فما يدرينا أننا لا ننام على علياء أخرى وكريم آخر!

    [email protected]

أرسل إلى صديق تعليق
تصغير الخط تكبير الخط

اضف تعليق

بريدك الإلكتروني لن يظهر علناً احتراماً للخصوصية